أخبار » الأخبار الفلسطينية

سعر الدواء يصل سنوياً لـ 100 ألف دولار

نور ومي .. النجاة من الموت تُكلّف آلاف الدولارات

24 كانون أول / مارس 2016 10:39

نور ومي
نور ومي

غزة - الرأي- فلسطين عبد الكريم

أن تزور بيتاً يحتوي على الموجوعين والمرضى، عليك أن تحمل لهم قبساً من نور علّك تنشل أوجاعهم من تحت أنقاض حصار أقام حدوده منذ عشرة أعوام، وعلك تكون مفتاح الفرج لهموم كثرت أبوابها الموصدة، من أين نبدأ سرد قصة مكتظة بالوجع الفائق؟ كيف لنا أن نخطّ كلمات تصف حجم الكارثة التي تقع عليهم مدى الحياة؟ كيف لنا ألا نخفق في إيصال الأمانة لأصحابها؟؟

اختلطت الأوراق وغابت الكلمات وفقدت السطور هيبتها أمام طفلتين عجز ذويها عن توفير دواء يفوق سعره آلاف الدولارات، كما عجزت أقلامنا تماماً عن وصف مدى عجز والدهما الذي يلاحق أمواج النجاة لطفلتيه، فما كان بوسعه أن يفعل سوى أن ينقص من دواء الكبيرة ليسد حاجة شقيقتها الصغيرة المصابة بذات الداء وهو مرض وراثي نادر جدا يسمىtyrosinemia .

كانت الطفلة نور وقتها تبلغ من العمر ثمانية أشهر عندما سقطت أرضا ليكتشف والداها وجود نزيف مكثف في اللثة، الأمر الذي استدعى الإسراع بنقلها للطبيب الذي أوقع الصدمة على الأب والأم بأن ابنتهما تعاني من مشاكل في الكبد قد يؤدي إلى وفاتها إن لم يتم الإسراع بإنقاذ حياتها التي لم ترى منها سوى الأدوية والأطباء وسرير المشفى.

مرض نادر جدا

في مستشفى النصر للأطفال بغزة لم يتعرف الأطباء على حقيقة مرض الطفلة، فهو غير مألوف لديهم ولم يمر على أحدهم مثل هكذا داء، فكان القرار بضرورة الإسراع بتحويلها إلى مستشفى المقاصد في القدس المحتلة، كانت حينها الطفلة تحتضر أو في عداد الموتى.

يتوجس قلب الأب خيفة ليلا ونهارا على فلذة كبده، بعدما حدثه الطبيب المعالج بمستشفى المقاصد بأن طفلته تعاني من فقدان جزء من الكبد "غير مخلَق"، لكن الله ربط على قلبه رغم حجم المأساة التي شعر بها كون علاج ابنته يفوق آلاف الدولارات.

ويقول والد الطفلة محمد بلاطة" أبو كايد" من معسكر الشاطئ بمدينة غزة: "تمكن أحد الأطباء بمستشفى المقاصد من التواصل مع شركة إسرائيلية لتوفير الدواء لطفلتي، وهو عبارة عن كبسولات تسمى orfadin وهي تحمي جدار الكبد من مرض السرطان، إلى جانب أنه يعتبر بديلا عن العصارة المفقودة في الكبد".

علاج بآلاف الدولارات

لم تتوقف معاناة الطفلة نور على تناول تلك الكبسولات التي يصل سعرها إلى أربعة آلاف دولار للعلبة الواحدة، لكن كي تظل على قيد الحياة كان يجب أن تتناول حليبا مخصصا لحالتها النادرة وهو حليب ثمنه 450 شيكل للعلبة فقط ويسمى " xphen-try maxamaid" وهذا الحليب من شأنه أن يمنع حدوث ضمور في المخ ويسهل عملية الإخراج أيضا.

طلب الأطباء من الأب والأم التوقف عن الإنجاب خوفا من تكرار المعاناة، فلديهما خمسة أطفال" 3 ذكور وطفلتين"، لكن بعد 6 سنوات كانت إرادة الله أقوى من كل الموانع وجاءت "مي" الأنثى الصغيرة إلى الدنيا لتفرض نفسها، ملأت البيت فرحا وسعادة، لكن تلك السعادة لم تكتمل بعد أن اكتشف ذويها أنها تحمل داخل جسدها الصغير نفس المرض.

كبرت الطفلتين المريضتين، وكبر معهما هم الوالدين وحزنهما، فالمرض قدر رباني يلازمهما مدى الحياة حتى وهم في مرحلة العجز، لم يكن أمام الأب الذي يعمل شرطيا بغزة سوى أن يبحث عن عمل آخر يعينه ولو قليلا على احتياجات أطفاله التي لا تنتهي ولا تتوقف، رغم مطالباته الكثيرة بضرورة الحصول على مستحقاته المالية، إلا أنه لم يلق أي آذان صاغية.

 طفلتين مريضتين أشعلتا الحزن

يتابع الأب بتنهيدة حزينة: "عندما قمنا بعمل تحليل DNA  لطفلتى ذات العام وثلاثة شهور، أخبرنا الطبيب أن المشكلة هي وراثة، الأمر الذي زاد من استغرابنا كون عائلة زوجتي وعائلتي تخلو من وجود شخص يحمل نفس المرض، فما كان بوسعي سوى أن أنقص من دواء الطفلة كبيرة لسد حاجة شقيقتها الصغيرة"، مؤكداً أنه يحتاج إلى علبة حليب أسبوعيا لطفلتيه، لكن مازاد الطين بلة أن الشركة "الإسرائيلية" قد تبلغهم في أي وقت بالتوقف عن توفير الحليب وكبسولات الدواء.

حاول الأب بكل طاقاته أن يوفر ما يستطيع كي يحصل على ثمن العلاج لفلذات كبده، أقدم على بيع ما تمكن من بيعه، فنصف راتبه يذهب لشراء العلاج، والنصف الآخر خصم للمركبة التي باعها كي يشتري حياة طفلتيه اللتين يهددهما الموت في كل لحظة إذا تأخرتا عن تناول حبات صغيرة من ذلك الدواء غالي الثمن، وماذا تفعل 1200 شيكل نهاية كل شهر.. فهي قطرة ماء في محيط كبير ولا تكفي شيئا.

"نور" نهش المرض عقلها

يحصل أبو كايد على مساعدة مالية من الشئون الاجتماعية تقدر بـ900 شيكل فقط، نظرا لظروف ابنتيه، وزوجته تنتظر الشهر القادم كي تسافر عبر معبر بيت حانون إلى مستشفى المقاصد للمراجعة بشأن علاج الطفلتين، رغم أن تكلفة السفر تصل إلى 1800 شيكل كل شهرين، إلى جانب تكاليف شحن الدواء من دولة السويد والتي تصل إلى 500 شيكل.

حاولت الأم استجماع قوتها للحديث علَها تخفف بعض همها الذي جثم على صدرها فأثقله، وقالت: "عندما قمنا بتخفيض استعمال الدواء لدى ابنتي نور ومنح جزء من علاجها لشقيقتها مي، تسبب ذلك في إحداث ضمور في المخ لديها، وهي حاليا تعاني من فقدان للذاكرة، وفي بعض الأحيان نعتقد أنها ليست موجودة في البيت بسبب الصمت الذي يكسو وجهها".

وتتناول الطفلتين الحليب في اليوم الواحد ثلاثة مرات، في كل مرة يضاف 9 سم لكل واحدة منهن، لكن عندما تكون الكمية محدودة منه يتم انقاص استعماله لكلتاهما، وتعتبر كبسولات orfadin  مكملة للحليب وفي حال تم التوقف عن استعمال أحد العلاجين يتسبب ذلك في مشاكل كثيرة ومنها فشل كلوي كما يؤثر على التطور العقلي والسمعي وعلى النظر.

طفولة مريضة

الطفلة نور في الصف الثالث الابتدائي، وتذهب يوميا إلى المدرسة كي تتفاعل مع الأطفال في مثل سنها، ودرجاتها العلمية وأداؤها صفر، لأن توقف العلاج عنها فترة طويلة أدى الى التأثير على مستوى الذكاء لديها، وهو ما جعل مدرسيها يقدرون الظروف المرضية التي تمر بها، رغم كونها كانت الطفلة الأكثر ذكاء قبل أن يوقف والديها عنها العلاج لمنحه لشقيقتها الصغرى بهدف الابقاء على حياتهما.

خلال حديثنا مع ذوى الطفلتين، كانت مي الصغيرة تلهب القلب بكلماتها المتلعثمة وهي تنادي على والدها بلغة لايفهمها إلا الآباء، فيما كانت والدتها تبتسم لها وتداعبها، فحاصرتنا بمشاعرها التي لم نستطع بعدها الحديث سوى ببعض الأمنيات التي تحفظ لهم الملائكة الصغار.

ورغم أن الطفلة الصغيرة" مي" تتناول العلاج بشكل متواصل إلا أنها باتت تعاني نفس أعراض المرض الذي ظهر على شقيقتها نور، وهو ما حذر الطبيب المعالج والديهما منه، خوفا من فقدان الطفلتين مرة واحدة.

وإلى جانب ذلك، فليس كل الطعام مسموح تناوله للطفلتين، فقط يقتصر غذاءهما على الخضار والفواكه، في ظل عجز الأب على توفير الكثير من متطلبات أطفاله، في الوقت الذي تحاصره الديون من كل حدب وصوب بعد أن وصلت إلى أكثر من سبعة آلاف دولار لتوفير علاج ابنتيه.

قد لا يصدق العقل البشري أن علبة دواء يكلف ثمنها 4 آلاف دولار لا تكفي شهرا كاملا ولطفلة واحدة فقط، فما بال الأمر لو كان يتعلق بطفلتين شقيقتين يحتاجان سنويا إلى أكثر من 100 ألف دولار ثمنا للعلاج، في ظل الحصار الذي طال أمده منذ سنوات طويلة، وفي الوقت الذي يبحث فيه أهالي غزة عن توفير لقمة العيش لأبنائهم، يبحث أبو كايد عن أي بصيص أمل يتمكن من خلاله أن يطيل في عمر ابنتيه الصغيرتين الذي أرهقهما المرض وأرهق جسدهما الدواء اللتان تتناولانه منذ أن فتحتا عينيهما على هذه الحياة.

لا يوجد اهتمام

ويؤكد أبو كايد أن المؤسسات الخيرية في قطاع غزة لم تولي قصته ومرض بناته أي اهتمام، فكان الرد في كل مرة "نأسف..لانستطيع مساعدتك"، هذا فوق طاقتنا ومهما حاولنا لن نتمكن من توفير مبلغ كبير لتوفير حليب وعلاج بهذا الثمن الباهظ".

كل ما يمكن أن تقدمه تلك المؤسسات هو كوبونة غذائية أو مساعدة مالية بسيطة، أبو كايد في غنى عنها، فهو لا يريد أن تحسب عليه مساعدة، فكل ما يريده أن يحصل على كفالة خارجية لطفلتيه توفر لهما العلاج دون توقف، سواء من مؤسسة دولية أو دولة معينة.

ويحصل أبو كايد على علبة الحليب من مستودع الرام في مدينة رام الله، عبر مؤسسة الأيدي المسلمة بغزة والتي منحته 4 علب حليب كمساعدة منها، كما حصل على مساعدات من جمعيات الانتربال من خلال توفير علب حليب للطفلتين، لكن تبقى حياتهما مرهونة بتلقيهما كبسولات الدواء وعلبة الحليب، في الوقت الذي يترصد الموت طفولتهما البريئة الذي حرمهما المرض من الاحساس به مثل الأطفال الآخرين.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
هل تتوقع أن تتم المصالحة؟