أخبار » تقارير

"فقراء بغزة" .. يعيشون تحت مقص شؤون رام الله

22 أيلول / أغسطس 2019 10:32

رواتب
رواتب

غزة-الرأي-فلسطين عبد الكريم

في زاوية من زوايا منزلها الكائن في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تجلس الستينية أم محمد مصطفى مستندة برأسها على راحة يدها، وتدخل في نوبة بكاء طويلة، بعدما تبخرت كل آمالها بشراء أدوية الضغط والسكري التي استنفذتها، وذلك عقب التلكؤ والمبررات التي تضعها وزارة التنمية برام الله في كل موعد صرف لمستحقيها من الفقراء في قطاع غزة.

وفي كل مرة، تستنفذ فيه أم محمد دواءها لمرضها المزمن، تضطر إلى الاستدانة من الأقارب أو الجيران المحيطين بها، على أمل تسديد تلك المبالغ المالية التي قامت باستدانتها ريثما تحصل على مستحقاتها من مخصصات الشئون، وما زاد الطين بلة هو مطالبات الدائنين المتكررة بالسداد في أقرب وقت نتيجة لصعوبة الأوضاع الاقتصادية بغزة.

ولا تتوقف معاناة السيدة التي أرهقتها الأمراض عند هذا الأمر، فقد تسبب سقوطها على الأرض إلى كسر في قدمها وحدوث جلطة كادت أن تودي بحياتها، إضافة إلى معاناتها من حساسية في العين تحتاج معها إلى قطرات خاصة، إلا أن ضيق الحال وقلة ما باليد يجعلها تنتظر على أمل أن يرزقها الله لشراء الدواء الخاص بها.

تهديد بالطرد

ليست أم محمد هي التي تنتظر صرف مستحقات الشئون بفارغ الصبر، بل تشاطرها الانتظار أم خالد سليمان التي تسكن في بيت بالإيجار، في وقت تتراكم عليها ايجارات المنزل لأكثر من ستة شهور متواصلة على أمل سدادها عقب استلام المخصصات الاجتماعية لها.

ولا تتوقف الديون التي تراكمت على أم محمد عند ايجارات المنزل، حيث أجبرتها الظروف القاسية على الاستدانة من الصيدلية القريبة من منزلها وتوفير بعض الأدوية لزوجها المريض، في وقت تضطر هي إلى الاستدانة لشراء بعض الأدوية لها لتسكين الألم الناتج عن حادث سير تعرضت له قبل سنوات طويلة ما زال يترك آثاره على قدمها اليمين حتى الآن.

وتخشى أم محمد تهديدات صاحب المنزل التي لا تتوقف، بطردها وأبنائها السبعة من المنزل، في حال لم تسدد المتأخرات عليها، في وقت لا يفهم فيه أصحاب المنازل مدى حاجة هؤلاء الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا يفهمون تأخر صرف مخصصات الشئون، ولا يهمهم سوى الحصول على الأموال وتعبئة جيوبهم بغض النظر عن الرأفة والإنسانية.

وتعتاش الخمسينية التي ما فتأت عن الخروج يوميا لبيع بعض الحاجيات والمثلجات للأطفال، على أمل توفير الطعام والشراب لأبنائها في ظل عدم قدرة زوجها على العمل بسبب غضروف في الظهر.

مرارة الفقر

أبو محمد العكر من مدينة رفح جنوب غزة، هو الآخر ينتظر بلهفة استلام مخصصات الشئون الاجتماعية، والتي تعتبر بمثابة "فك أزمة له ولعائلته، إلا أن المماطلة من قبل مالية رام الله في صرفها ينغص عليه حياته وعائلته.

وكان أبو محمد يتقاضى مبلغ 1800 شيكل من الشئون الاجتماعية، إلا أنه تم تخفيض المبلغ إلى 750 شيكل فقط، بدعوى أن ابنه وأولاد ابنه منفصلين عنه في منزل خاص، إلا أنهم يتناولون الطعام والشراب في المنزل لديه، وفق ما أكده.

وكغيره من المواطنين الذين يتذوقون طعم المرارة والفقر وضيق الحال بغزة، يعيش أبو محمد ظروفا وأزمات مادية قاسية في ظل الظروف التي تمر بها غزة جراء الحصار المفروض عليها منذ سنوات طويلة.

وتماطل وزارة التنمية في رام الله من اعلان واضح وصريح عن موعد المخصصات الاجتماعية، وفي كل مرة تعلن فيه عن تحديد موعد وتاريخ معين، تترقب معه العائلات الفقيرة بغزة وتنتظر حصولها على المخصصات، إلا أن آمالهم وأحلامهم تبخرت عقب التأجيل والمماطلة والتلكؤ في الصرف في كل مرة.

 

انعكاسات خطيرة

 

وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة قالت إن وزير الشؤون الاجتماعية في رام الله أحمد مجدلاني عرقل منذ توليه ملف الوزارة من قبل الحكومة بالضفة الغربية عملها الإنساني المتمثل في خدمة الأسر الفقيرة والفئات المحتاجة الأخرى داخل المجتمع.

وأوضحت المتحدثة باسم الوزارة عزيزة الكحلوت أن الفترة التي سبقت مجيء مجدلاني إلى المنصب كانت تشهد عملًا مشتركًا بين شقي الوزارة في الضفة وغزة دون أي مشاكل، وكان الكل متفق على تجنيب عملنا المناكفات السياسية.

وأشارت الكحلوت في حديثها لـ"الرأي" إلى أن مجدلاني أغلاق منذ استلامه العمل شاشات البرنامج الوطني عن قطاع غزة بحيث أصبحنا غير قادرين على تحديث معلومات أو تدقيق بيانات الحالات الاجتماعية كما أنه رفض التجاوب وأسس لجنة بمثابة "وزارة ظل".

وبينت أنه رفض كافة التدخلات التي قامت بها شخصيات اعتبارية ومؤسسات المجتمع المدني من أجل تحييدنا عن الجدال السياسي، حيث بدأ بالهجوم إعلاميًا متحدثًا عن عدم شرعية الوزارة بغزة وهذا ما تم رفضه بشكل قاطع.

ولفتت إلى أنه في فترة عمل الدكتورة سناء الخزندار في الوزارة ومتابعة الملف كان لها مكتب خاص للتواصل المباشر مع شق الوزارة بالضفة الأمر الذي أسس لمستوى عالي من التنسيق وتجاوز أي مشكلة.

وقالت: "تفاجئنا أن مجدلاني أسس لجنة ظل من موظفين بالوزارة كانوا يحاولون العمل من منازلهم، إلا أنه تم إيقافهم بالتعاون مع وزارة الداخلية لعدم شرعية ذلك التصرف".

وشددت الكحلوت على أن الوزارة لم تفرق طيلة عملها بين موظفي غزة وموظفي الضفة ولم تكن هناك خلافات قبل مجيء مجدلاني إلى منصبه، حيث عمل على سحب نحو 190 موظفًا بشكل تدريجي من الوزارة بهدف تعطيل عملها.

واستنكرت عدم تعامل الوزارة في الضفة الغربية مع 10 آلاف أسرة على قوائم الانتظار وبحاجة إلى مساعدة ضرورية منذ 2016 وفق دراسات ميدانية تثبت ذلك، مؤكدة أن طواقم الوزارة بغزة تبذل كل ما بوسعها لخدمة الفقرات رغم عدم الاستجابة لاحتياجاتها من الوزارة بالضفة.

وأضافت: "نحن مستمرون في تلقي طلبات المساعدات من الأهالي في غزة إلى حين افتح ملف الاستقبال من قبل الوزارة في رام الله، فهناك 71 ألف أسرة تتلقى المساعدات عبر البرنامج الوطني".

ونوهت إلى أن طواقم وإدارات الوزارة المختلفة بغزة تعمل على مواصلة عملها الإنساني من خلال العديد من البرامج والمشاريع التي تخدم الأطفال والنساء والأيتام ومجهولي النسب إضافة إلى ذوي الاحتياجات الخاصة".

وتابعت "منذ بداية العام لم تتلقى الأسر أي مخصص مالي والمفروض أن تكون هذه الدفعة الثالثة خلال هذا العام، لكن هناك العديد من البرامج التي تشرف عليها الوزارة لمساعدة الأسر الفقيرة وكافة فئات المجتمع للتخفيف من معاناتهم".

وحدة غزة والضفة

وأكدت على أن الوزارة في غزة لن تسمح لأحد بالمساس بحقوق الفقرات والمحتاجين، مجددة الدعوة إلى شق الوزارة في الضفة إلى التعاون من أجل تحييد هذا العمل المناكفات السياسية والعمل سويًا لخدمة الأهالي بكل ما يتوفر من مشاريع وبرامج.

وأشارت إلى أن هذا البرنامج يعبر عن حالة وحدة بين الضفة وغزة، مضيفةً: "نعمل جميعا على نفس البرنامج المحوسب ونفس جهة التمويل الدولية، ويتم العمل بطرق مهنية متفق عليها ويجري إدخال وتحديث البيانات بشكل مستمر، وقد عملنا على تسهيل دفع الشيكات النقدية، وضمان وصولها إلى الفئات المستحقة".

وبينت الكحلوت أن وزارتها تابعت التصريحات التي تصدر عن وزير التنمية الاجتماعية في رام الله أحمد المجدلاني خلال الأشهر الماضية، والتي كانت تصب في الهجوم على وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة، وتوجّه لها الاتهامات بدون أدنى دليل، وتحرّض الأطراف المختلفة عليها.

ولفتت إلى أن الوزارة آثرت عدم الرد على هذه التصريحات وذلك منعا للدخول في مناكفات وسجالات غير مطلوبة، وإفساح المجال أمام إيجاد فرصة للتعاون والعمل المشترك، ومعالجة المشاكل من خلال سبل هادئة بعيدا عن الإعلام.

وأضافت: "لكن مع الأسف أن الوزارة في رام الله – خاصة الوزير-استمرت على نفس النهج ورفضت كل أشكال التعاون والتنسيق وأصرت على سياسة الهجوم الإعلامي".

وشددت الكحلوت على أن منهج الوزارة في قطاع غزة هو رعاية مصالح المواطنين، خاصة الطبقات الضعيفة والمهمشة، والابتعاد عن مواطن الخلاف السياسي، والبحث عن مساحات العمل المشترك التي تخدم الفقراء، وذوي الإعاقة، والطفل، والمرأة، وذوي الاحتياجات الخاصة.

وأكدت على عدم اقحام العمل الاجتماعي والإنساني في دوامة الخلاف السياسي وعدم تعريض الفئات الضعيفة والمهمشة للخطر، مشددةً على ضرورة الاستمرار في فتح البرنامج الوطني خدمة للشرائح الفقيرة والمحتاجة وتغليباً للمصلحة العامة.

 

 

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
هل تتوقع أن تتم المصالحة؟