أخبار » تقارير

ومرت 17 عاماً

"حاجز أبو هولي"..ذكريات مريرة بددتها المقاومة

16 كانون أول / أغسطس 2022 10:30

5pVxI
5pVxI

غزة-الرأي-فلسطين عبد الكريم

تعود الذاكرة بضابط الشرطة هشام عدوان من مدينة رفح، إلى الوراء سنوات طويلة، تلوح أمام عيناه الأيام العشرة التي قضاها بعيداً عن منزله وعائلته وأطفاله الذين كانوا يتوقون لعودة أبيهم مساء كل يوم حاملاً بيده بعض الحاجيات التي كانت تسند قلوبهم بمزيد من الفرح.

كان ذلك قبل 17 عاماً من الآن، حيث كان حاجز أبو هولي المسمى بموقع "محفوظة" العسكري، اسم لا يخفى على أي مواطن فلسطيني، فالمعاناة كانت واحدة ومشتركة، قبل اندحار الاحتلال عن قطاع غزة.

يقول عدوان في حديث لـ"الرأي":" إن حاجز أبو هولي كان كابوساً لكل المارة منه، فيوميات المعاناة والاذلال والاهانة من قبل جنود الاحتلال على الحاجز أعادتني سنوات طويلة للخلف".

كابوس اسمه حاجز

ساعات طويلة كان ينتظرها عدوان كغيره من المرضى وكبار السن والطلبة وحتى المواليد، أجبرته على البقاء في عمله بغزة يومين كاملين والعودة الى منزله برفح أربعة أيام، في وقت ازدادت المضايقات التي كان يتفنن الجنود في توجيهها تجاه العابرين.

الذكريات الحزينة المتعلقة بحاجز أبو هولي بعد سنوات طويلة من اندحار الاحتلال من غزة، أخرجت كل ما كان في ذاكرة الضابط عدوان، فالإغلاق المتواصل للحاجز وسياسة الاذلال والانتظار، كانا سبباً في احتجازه بغزة فترة عشرة أيام متواصلة دون أن يرى عائلته وصغاره.

وفي فصل الشتاء كان للحاجز معاناة أخرى لا متناهية ولكن بطعم العلقم، فقد كان أهالي غزة والحديث لـ"عدوان" يخرجون منذ ساعات الصباح الباكر، وينتظرون داخل السيارة وسط أجواء البرد القارس، وهو ما زاد من معاناتهم بانتظار السماح لهم بالمرور من تلك البوابة السوداء.

"وأخيرا انزاح الحاجز وأصبحنا نتحرك بحرية كبيرة"، يقول عدوان، موضحاً أن اندحار الاحتلال عن قطاع غزة، ومسح الحاجز هو أحد إنجازات المقاومة الفلسطينية وأهمها.

وعقب اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، عمل الاحتلال على توسيع حاجز أبو هولي الواقع على طول الشارع الرئيس صلاح الدين ما بين نهاية مدينتي خانيونس ودير البلح، وهو ما فاقم من معاناة المواطنين خلال ساعات الانتظار.

ذكريات حزينة ملونة

ولطلبة الجنوب ذكرى ملونة بالقهر والاذلال والتفتيش اليومي على الحاجز، فكان بعضهم يبيت لدى الأصدقاء بغزة، أو داخل بيت للطلاب والطالبات في الحرم الجامعي.

"عرب كلاب..روخ بيتك" من أكثر عبارات السب والشتم التي كان توجه للمارة من قبل الجنود الذين كانوا يحتمون داخل الأبراج العسكرية المقامة على طرفي حاجز أبو هولي.

تقول المحامية نسرين عوكل، وكانت حينذاك طالبة حقوق:" كنا ننتظر ساعات طويلة في سبيل السماح لنا بالعبور، وفي أحد الأيام كان لدي امتحان، وكان الحاجز مغلق، واضطررت لتقديمه ضمن لجنة خاصة"، موضحة أن الدبابات والجنود كانت تتقدم الشباب والطالبات الذين كانوا يسيرون بخطى ثابتة وهم يحملون راية بيضاء.

الساعة العاشرة مساء كانت عوكل تحط رحالها داخل منزلها المقام في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بعد أن أخذ جسدها نصيبه من التعب والارهاق جراء ساعات طويلة من الانتظار وسط حرارة الشمس الملتهبة، وعمليات إطلاق النار بين أرجل المواطنين وتجاه السيارات، ناهيك عن الاعتقالات المتواصلة للشبان بدون مبرر.

موت محقق

وتستذكر عوكل مأساة الأهالي على الحاجز، وتضيف في حديثها لـ"الرأي":" تخيل أن شخص يقف ساعات طويلة في انتظار السماح له بالمرور عبر الحاجز اللعين، يريد قضاء حاجته، ويضطر الى دخول منزل أناس لا يعرفهم ولا تربطه بهم أي صلة، هنا تمثلت المأساة بكبر حجمها، كنا نشعر بالخجل ولكن ليس بمقدورنا أي شيء".

" كارة وحمار" هكذا كانت المحامية عوكل تستكمل طريقها برفقة زميلاتها من الطالبات، فيما كانت الدبابات المدججة بالجنود والأسلحة الثقيلة تقف حائلاً أمام دخول السيارات، وهو ما أجبر المئات من المواطنين سيراً على الأقدام باتجاه البحر.

وتنبه عوكل الى أنها كانت تعود إلى منزل ذويها مرة كل أسبوع لرؤيتهم، فيما كانت تقضي ما تبقى من الأسبوع داخل حرم الجامعة من أجل الدراسة.

ما بين السّادسة صباحاً وحتى السّادسة مساءً، كان جنود الاحتلال يسمحون بمرور المارة، وأيّ اقتراب بعد أو قبل السّاعتين المحددتين معناهُ الموتُ المحقق، إلا أن تلك السّاعات كانت تتخلل فترات إغلاق غير معروفة الأجل، وفي بعض الأحيان إغلاق فجائي دون سابق انذار.

انتقام وشهادة

سيل من المضايقات والانتهاكات والاستفزازات اليومية كان يتعرض لها المواطنين على ذلك الحاجز الذي أهان وأذل الصغار قبل الكبار، ولم يرحم ضعف المرضى وعوز الطلبة، كل هذا دفع بالشاب عرفات أبو كويك من معسكر الشاطئ بغزة إلى صب جام غضبه على احتلال ظالم عاث فساداً في الأرض.

اشترى عرفات بماله الخاص قنابل يدوية، وحدد هدفه، كان الهدف هو حاجز أبو هولي على الطريق العام الذي يربط بين شمال القطاع وجنوبه، والذي يستخدمه جنود الاحتلال لإذلال أبناء شعبه، حيث أولئك الجنود الجبناء الذين يختبئون بحصونهم عند ذلكَ الحاجزِ ظانينَ أنها ستحميهم من غضب المجاهدين.

يقول عامر أبو كويك شقيق عرفات، في حديث لـ"الرأي":" عملية جريئة نفذها أخي، فقد جهز نفسه بنفسه، وأصر على نيل الشهادة، فقد تأثر كثيرا باستشهاد الطفلة الرضيعة إيمان حجو وقتها، لقد رأيت الحزن في عينيه، فقد كان يشاهد الأساليب الاستفزازية والاذلال والتضييق المتعمد من قبل الجنود على الحاجز".

يتابع أبو كويك والألم يعتصر قلبه حزناً على شقيقه:" كان شقيقي يدرس في جامعة الأقصى بخان يونس جنوب غزة فكان يرى بأم عينه ما يحدث هناك، معاناة يومية وانتظار لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة دون رحمة".

استشهد عرفات، بعدما أمطر الجنود المتمركزين قرب الحاجز بالقنابل اليدوية فأثخن فيهم الجراح، وأوقع بهم عدة إصابات حتى نال شهادته، وبعد استشهاده استكملت المقاومة الفلسطينية الطريق الذي نهجه عرفات وغيره من المجاهدين والشهداء في سبيل دحر الاحتلال عن غزة، فكان لها ما كان، وانقشعت هذه الغمامة السوداء عن أرض قطاع غزة، وعادت الحياة تدب بين أوصاله.

جدير بالذكر أن الاحتلال اضطر آنفاً عام 2005 بإخلاء عدد 21 مستوطنة كانت تحتل نحو 35% من مساحة قطاع غزة، الذي لا تتعدى مساحته 360 كيلومتراَ مربعاَ وذلك تحت تأثير ضربات المقاومة بعد 38 عاماً من احتلال القطاع.

 

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما رأيك في الإجراءات التي تتخذها الجهات الحكومية في غزة في مواجهة جائحة كورونا؟