أخبار » تقارير

"ومازال للحلم بقية"

بيت التفوّق تحول لركام وخيمة عزاء للطفل "حسونة"

17 كانون أول / أغسطس 2022 01:18

F5uVX
F5uVX

غزة-الرأي-آلاء النمر

رُفع آذان العشاء عبر مكبرات مآذن المساجد وأقامت العائلة صلاتها في جماعة، ثلاث عتمات غطت سماء البيت المظلم، حلكة ليل يضج بأصوات الصواريخ المنهمرة بالموت، وانقطاع تام للكهرباء لليوم الثالث على التوالي، وعتمة عدوان كانت سمائه واحدة فوق بيوت الفلسطينيين من بيت حانون شمالاً وحتى رفح جنوباً.

أما هنا في بيت آل حسونة فقد استعد الجميع لتناول طعام العشاء غير آبهين بما يحدث في الخارج، الابنة الكبيرة "سعاد" تكفلت بتحضير لوازم العشاء، وتوزع البقية بين مشاهدة التلفاز وبين آخر يتخذ باب "الدار" مجلساً، وبين أخير أسرع خطاه نحو دكان قريب ليشتري الخبز.

لحظات سريعة غيّرت وظائف الجميع لكنها أبقت كلاً في مكانه، وتحول سكون البيت إلى بقايا جدران تخرج من بينها أصوات مختنقة تصرخ بـ"يا الله"، غباراً ضخماً زاد ظلمة الليل وكتم على أنفاس الأحياء وأجهد على أضعفهم وأصغرهم سناً.

ستُ صواريخ "إسرائيلية" مباغتة قصفت حي الشعوت برفح جنوباً دون إنذار أو تحذير، أوقعت الضربة أسقف المنازل البسيطة على رؤوس أصحابها، أفزعت ليل الأطفال ببشاعة، حتى أن بعضهم بقي على نومته دون صرخة أخيرة ودون استيقاظ ودون مشاهدة لأحداث الساعة، لقد استشهد تسعة آمنين وأصيب أكثر من أربعين شخصاً بجروح مختلفة.

ليلة مظلمة مرّت فوق سماء محافظة رفح، قامت فيها الساعة دون مقدمات، البناية المستهدفة تقع في منتصف الحي، وبضربات شرسة تحولت إلى حفرة ضخمة ابتلعت الطوابق بمن فيها، ما دفع أصحاب المنازل المحيطة لهدم بيوتهم للدخول في مسابقة مع مرور الزمن والحد من تحول الإصابات إلى فواجع، لكن الموت كان أسرع والركام كان أقوى من أن يفسح هواءً ولو مغبراً لمن بقي على قيد الحياة.

تدمر على الأقل اثني عشر منزلاً داخل بقعة هذا الحي، وانتشل المسعفون ورجال من الدفاع المدني عشرات الناجين وبينهم طفلاً من عائلة حسونة "محمد" وشقيقته الكبرى "سعاد" وأطفال بالجملة ومسنون، إضافة إلى سبعة شهداء من تحت ركام منزل المخيم المدمر.

الأب حسونة ودّع طفله محمد (14 عامًا) بالنظرات، في حين كان ممددًا على سرير الاستشفاء في مستشفى أبو يوسف برفح، حيث أُسعف مع أبنائه وزوجته وابنته "سعاد" التي تخرّجت حديثا بتفوق من الثانوية العامة بمعدل 94%.

"وما زال للحلم بقية" هذه العبارة قالتها سعاد وقت إعلان نتائج الثانوية العامة، بعدما بذلت جهدها للحصول على معدل يسمح لها بدخول كلية طب الأسنان على الرغم من انعدام قدرة والدها على تعليمها، في أجواء من الفرحة العارمة والطبول والزغاريد والفرح المبهج.

سرعان ما حطم الاحتلال فرحة "سعاد" واختطف منها بقايا الحلم، لكن إصابتها وخروجها من تحت أنقاض بيتها أوصلها لحلم دراستها لطب الأسنان، وكان أخيها الشهيد "محمد" ثمناً عظيماً لفقدها الجلل، بعدما شاركها يومها المنتظر بوجهه الذي حمل لها ألف كلمة حب لم تعد تسمعها.

استشهد الطفل "محمد" بشظية في رأسه، أبقت وجهه مبتسماً يرى ما لا يراه إخوته المفزوعون من هول ما حدث، رغم أن أخي استشهد، وأبي مصاب بالمستشفى، وبيتنا راح، وكل أحلامي تهدمت، لكني سأعود وأعمل على تحقيق أحلامي لأصبح طبيبة من أجل مساعدتي أهلي وشعبي"، قال سعاد.

هذا العدوان السادس الذي شنه الاحتلال "الإسرائيلي" على قطاع غزة، ثلاثة أيام لم يفرّق خلالها الاحتلال بين طفل رضيع وبين شاب يافع، ولم يميز بين عائلة آمنة وبين أخرى اتخذت بيتها مأمناً من بنك الأهداف المزيّف.

 

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما رأيك في الإجراءات التي تتخذها الجهات الحكومية في غزة في مواجهة جائحة كورونا؟