غزة- الرأي- عبد الله كرسوع :
ضيقُ الحال واشتداد الحصار وسوء الأوضاع الاقتصادية، ركل المئات من الغزيين إلى تقبل واقع فرض عليهم قسراً، فلا مجال للاستمرار سوى هذا المكان، حيث يرتادون سوق "البالة" الذي يحوي الملابس المستعملة المستوردة من الجانب الصهيوني ودول الغرب ذات الأسعار الزهيدة.
فهؤلاء المواطنون وغيرهم لجأوا لهذا السوق، لشراء حاجياتهم من الملابس، خاصة في ظل توفر العديد من ماركات الملابس العالمية، بأسعار منخفضة؛ وبسبب حالات الفقر وتفشي البطالة، وعدم قدرة الكثير على شراء الملابس الجديدة.
ويُعد سوق فراس" الأشهر في غزة لبيع للبضائع المستعملة، فيزوره الغزّيون من كافة مناطق القطاع لشراء ما بات يعرف بـ"ملابس البالة"، والذي يعود إنشاؤه إلى العهد المصري، وقد ازدهر في الستينيات ولا زال مستمراً حتى الآن.
الحاجة أم أحمد الجعل تقول "للرأي" إنها لا تعرف مصدر هذه الملابس بالتحديد، وما يدفعها للقدوم إلى "البالة" هو ضيق الحال وعدم وجود شخص يعيل أسرتها، فزوجها مريض وأبناؤها ما زالوا صغار.
أما المواطن مروان بصل " 40 عاماً" فدفعه ضيق الحال والفقر الشديد إلى التردد على سوق البالة لشراء الملابس له ولأبنائه، قائلاً:" "كنت أخجل في البداية من شراء هذه الملابس، لكن جودتها وتدني أسعارها ودخلي المحدود جداً جعلني زبوناً دائماً، فسعر قميص جديد لي أو لأبنائي سيكلفني عشرة أضعاف المستعمَل".
أما أحمد كحيل صاحب محل ملابس البالة، فبين أن هذا السوق يرتاده الفقراء والأغنياء بكثرة، قائلاً: "لا عجب إن رأيت سيدة تنزل من سيارة حديثة لتقبل على انتقاء ما طاب لها من هذه الملابس، فالأثرياء يبحثون هنا عن الماركات والملابس المميزة، في حين إن عدداً كبيرًا من الفقراء يأتون يومياً إلى السوق لشرائها نظراً لانخفاض أسعارها".
مراحل ثلاث
وذكر كحيل أن "أطنان" الملابس البالية التي تصل قطاع غزة، تخضع لثلاث عمليات، أولها تتخصص بفرز الملابس حسب جودتها، فيكون القسم الأول للملابس "الماركة" ذات الجودة العالية، ومن ثم للملابس " المهترئة" والتي توزع على الأسواق الشعبية الفقيرة جداً؛ لانخفاض أسعار بضاعتها بشكل كبير بحيث يصل ثمن القطعة الواحدة إلى 2 شيكل.
وفي المرحلة الثانية يتم غسل القطع "البالية" التي تحتاج إلى تنظيف، ومن ثم "كيّها"، لتصل إلى المرحلة الثالثة والأخيرة بحيث يتم توزيع البالة على المحال التجارية في السوق الشعبي .
ويبلغ متوسط سعر القطعة الواحدة من ملابس البالة في قطاع غزة 15 شيكل ، إما إذا كانت تحمل اسم أحد الماركات العالمية فيصل إلى 50 شيكل .
ورغم انخفاض أسعار هذه الملابس، إلا أن أصحاب المحال التجارية يشتكون من قلة عدد الزبائن، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
الاستيراد من الخارج
التاجر حمدي السنداوي (43) عاماً، والذي أمضى أكثر من (27) عاماً في هذا المجال، قال لـ"لرأي" إنه يستورد ألبسة البالة والأحذية عن طريق معبر "كرم أبو سالم" التجاري الذي يشرف عليه الاحتلال.
وأردف بالقول:" تدخل الشاحنات المحمّلة بملابس البالة، ويصل وزن الشاحنة الواحدة (12-14) طن، ويختلف سعر الطن الواحد من تاجر لآخر، لذلك لا يمكن تحديد سعر معين لطن الملابس المستعملة".
وأكد السنداوي أن حركة سوق البالة منذ منتصف العام الماضي شهدت تراجعاً واضحاً، لافتاً إلى أن إقبال المستهلكين على السوق لشراء ملابس "البالة" و"الماركات العالمية" مقارنة بالعام الحالي تراجع بشكل كبير جداً نظراً لتردى الأوضاع الاقتصادية.
شفا هاوية
العديد من خبراء الاقتصاد، أكدوا أن الوضع الاقتصادي في قطاع غزة بات على شفا الهاوية نتيجة لعدة عوامل، أبرزها؛ استمرار الحصار الصهيوني على القطاع، وإغلاق الأنفاق المنتشرة على الحدود بين غزة ومصر.
بدوره؛ أكد الوكيل المساعد بوزارة الاقتصاد الوطني حاتم عويضة أن حالة الركود الذي يتم الحديث عنها تشهد مداً وجزراً، موضحاً أن لها علاقة بجزئية عدم انتظام الرواتب إلى جانب الموسمية، إضافة إلى الوضع الاقتصادي السيء .
وأوضح عويضة في تصريح سابق أن أولويات الشراء تتبدل في بعض الأوقات وخاصة الحالية، حيث ينهمك المواطن في ترتيب أولوياته مع دخول أبنائه الجامعات والمدارس وما يتبع ذلك من مطالب.
وذكر أنه وبالرغم من تشبع الأسواق الغزية بالعديد من البضائع والانخفاض الملحوظ في الأسعار، إلا أن القوة الشرائية ضعيفة جداً، مشيراً إلى أن قلب حالة الركود بحاجة إلى استقرار اقتصادي في ظل معدلات البطالة التي تصل إلى 40%.
ويُعد احتفاظ سوق "فراس" باستمراريته إلى اليوم ، حالة استثنائية تدل على حاجة الكثيرين في غزة لمثل هذا السوق لبيع الملابس المستخدمة، فمنهم من يلجأ إليها لتدني وضعه الاقتصادي ومنهم من تغريه شعارات الماركات العالمية وتميزيها عن غيرها بتصاميمها المختلفة التي لا توفرها الصناعات المحلية .

