غزة- الرأي- عروبة عثمان:
بالأمس كانوا خلف القضبان يتجرعون مرارة الأسر ويتنفسون رائحة ظلم السجان (الإسرائيلي) واستبداده لهم، واليوم باتت غزة تضمهم لصدرها، وباتوا يقبلون ثراها الذي لا مثيل له على وجه الكرة الأرضية.
قبل سنين قليلة، شعروا بقسوة الحياة وشظفها في السجون (الإسرائيلية) لفقدانهم سنداً حقيقياً يخفف عنهم حدة أوجاعهم، والآن بات كلٌ منهم يعانق سنده فيحمل ابنه على يديه، ويريه ما ذاقه من تعذيب وحرمانٍ وإهمال، ليكون شاهداً حياً عما عاشه، علّه يشق الدرب ذاته في التحدي والصمود حتى تحرير فلسطين من البحر إلى النهر.
الديراوي.. مصادفات عجيبة
الأسير المحرر "محمد الديرواي" يحمل مولوده البكر ويجول برفقة زوجته في معرض "أرواح لا صور"، الذي افتتحته رابطة الأسرى والمحررين بمنتجع الشاليهات في غزة، ليتوقف عند صورٍ تستحضر عذاباته وزملاءه المعتقلين، مرجعاً شريط ذكرياته للوراء قليلاً بحلوه ومره.
لم يصدق الديرواي أن صورته التي توقف عندها في المعرض باتت اليوم جزءاً من الماضي، فها هو اليوم بين أهله في غزة يتنعم بالحرية بعد أن منَّ الله عليه بالإفراج بصفقة وفاء الأحرار.
يقول الديراوي لـ"الرأي": "الفضل لله ثم للمقاومة، وعلى رأسها كتائب الشهيد عز الدين القسام لإبرامها صفقة "وفاء الأحرار"، وأتمنى أن تعجّل المقاومة بـ "وفاء الأحرار2" لإنقاذ حياة الأسرى قبل فوات الأوان".
الديراوي أبى إلا أن يرافقه ابنه (شهر تقريباً) في جولته بمعرض "أرواح لا صور"، ليكون شاهداً حياً على ما كان يشعر به والده في السجون (الإسرائيلية)، ليثأر للأسرى ويخوض درب المقاومة لتحريرهم.
مصادفات لا تُنسى في ذاكرة الديراوي، فشاء القدر أن يُبصر عينا مولوده البكر النور في 30/1/2013، لتتضاعف الفرحة في هذا التاريخ المميز، فالديرواي عطرت أنفاسه الحياة بـ 30/1/1978.
ولم تتوقف المصادفات ذات النكهة الخاصة عند هذا الحد، بل تخرّج الديراوي من الجامعة الإسلامية بغزة قبل 3 أيام فقط، بتاريخ يصادف ذكرى اعتقاله قبل 12 عاماً.
واعتقل الاحتلال الديراوي، الذي ينتمي لكتائب الشهيد عز الدين القسام، عند أحد الحواجز العسكرية "المطاحن" (أبو هول) في جنوب قطاع غزة، إبان وجوده على أرض القطاع، لمشاركته في تفجير دبابة (الميركافا) على طريق (كارني- نيتساريم) في يناير 2001، إلى جانب أعمال مقاومة أخرى كانت تنفذها الوحدة (103) التابعة للقسام.
صبيح .. أمل الحرية
بأمل عميق تقرأه في عينيها، تقف الأسيرة المحررة سمر صبيح بجوار صورتها التي تحتضنها وتتكلم عن روح قهرها للعدو الغاصب.
وتقول المحررة صبيح لـ"الرأي": "هذا المعرض رسالةٌ إلى العالم العربي والإسلامي بضرورة الخروج عن صمته المطبق إزاء قضية الأسرى، والتفكير جدياً في تبييض المعتقلات (الإسرائيلية)".
وتضيف "صحيحٌ أن قدمي سمر اليوم تطآن أرض غزة، لكن روحها المنبعثة من صورتها في المعرض معلقة بأرواح تركتهم يصارعون العدو لوحدهم في السجون (الإسرائيلية)".
وكانت صبيح قد وضعت مولودها البكر "براء" خلف القضبان، دون السماح لزوجها أو أي من أقاربها لحضور الولادة، تحت ظروف مأساوية وفي ظل إجراءات أمنية مشددة
الفليت والمغير.. صورهما تتكلم
حكاياتٌ وقصص وراء كل صورةٍ في المعرض، فالأسيران المحرران أحمد الفليت وخالد المغير تجولا بمعرض الصور برفقة طفليهما، متوقفين عند صورهما رغم حملها لمرارة الأسر، إلا أنها لم تنل من عزيمتهما، لإيمانهما بأن عتمة الزنزانة المظلمة إلى زوال ولو بعد حين.
وكان الفليت قد أمضى (19 عاماً) مأسوراً في قبور الأحياء، فلم تقهره عذابات السجون الموحشة ، مترقباً فجر الحرية حتى أن كتب الله له ذلك في أكتوبر 2011 "وفاء الأحرار"، بعد أن لقن العدو درساً لن ينساه بقتله كبير المغتصبين ويدعى "شمعون بيرون" في كفار داروم عام 1992.
أما المغير فتزوج وأنجب مولودةً بعد أن أمضى 15 عاماً في سجون الاحتلال، بتهمة انتمائه لتنظيم "مجد" العسكري، وهو النواة العسكرية الأولى لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، بالإضافة إلى حيازة أسلحة والاشتراك في التحقيق مع كبار عملاء العدو (الإسرائيلي) داخل قطاع غزة.
هؤلاء عددٌ من الأسرى المحررين الذين شاهدوا أرواحهم تتحدث عن معاناتهم في الصور التي عرُضت في معرض "أرواح لا صور"، فبالأمس كانت أرواحهم معلقة بمن تركوهم بغزة، واليوم باتت أرواحهم معلقة بمن تركوهم في الأسر.
صدمة من صورة "أبو صلاح"
لم يستطع والد الأسير "صلاح أبو صلاح" أن يتملّك نفسه، لتنذرف دموعه على وجنتيه الطيبتين بعد أن فوجئ بصورة ابنه "صلاح" المضرب عن الطعام منذ 28 يوماً، بعد أن هزُل جسده ليصبح وزنه 48 كيلوغراماً.
وشعر أبو صلاح بالحسرة على حال ابنه، متسائلاً "كيف سيكون حال أجساد المضربين عن الطعام منذ ما يزيد عن مائتي يوم، فابني لم أعرفه بعد الضعف الشديد الذي أصابه رغم إضرابه لثمانية وعشرين يوماً فقط".
وناشد أبو صلاح أصحاب الضمائر الحية والعالم الحر ليوقفوا سياسات السجان (الإسرائيلية) التعسفية من قتل وتعذيب وإهمال، آملاً في أن يعود ابنه له حياً لا ميتاً.
ويأمل الأسرى المحررون أن يلتقوا بأحبابهم الأسرى قريباً كاسرين قيد الظلم، لتلتقي أرواحهم سويةً من أجل روح التحرر لفلسطين التي تزرخ تحت وطأة الاحتلال منذ أكثر من ستين عاماً.
-
-
-
-
-
-
-







