المحافظة الوسطى - الرأي - أحمد خالد:
في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة، وقفت الكلمات حائرة عن وصف صورة مازالت حية في أذهان من هجرتهم قوات الاحتلال (الإسرائيلي) من ديارهم قصرا عام 1948م، كلمات تعبر عنها الحسرات بين شوارع وأزقة المخيم.
بدأت أبحث عن أجدادي الذين أثقلت كاهلهم غربة السنين، والذين باتوا أسرى لذكريات مازال يجلبهم إليها الحنين وأصبحوا يراودون حلمهم بالعودة مهما طالت السنين.
قصفونا بالقنابل
الحاجة شمّة الباز "أم يوسف" (88 عاما) المُهجّرة من قرية عراق سويدان رجعت بنا بذاكرتها قليلاً إلى الوراء، لقد مرّ على تلك الأيام ما يزيد عن نصف قرن، يوم أن أجبرتهم سلطات الاحتلال على الخروج من أراضيهم وقراهم.
وتقول الحاجة الباز لمراسل "الرأي" - الذي زار منزلها - والألم يعتصر قلبها: "لقد احتلت العصابات الصهيونية مركز شرطة القرية لمدة ثمانية أيام وبعد أن عجزوا عن السيطرة عليه، قصفوه بقنابل الطائرات من أجل تشريد سكانها، وحينها بدأنا بالهرب وسط قصف المدافع فوق رؤوسنا، فلا مجال سوى الابتعاد عن القتل والتدمير الذي هدف إليه اليهود حينها".
وروت الثمانينية - طريحة الفراش - بعد أن أثقل المرض كاهلها، لقد هاجرت أنا ووالداي وأخواي، حيث استشهد والدي من قبل نزوحنا إلى البرير جنوبا، حيث الرصاص لم يرحمنا ولم يترك لنا فرصة للجوء والحماية!.
"علقت أنا وأمي في الأسلاك الشائكة وتأخرنا عن عربات المهاجرين حتى وصلنا برير واستقر بنا الحال في أحد البيوت التي فر منها أصحابها". تقول أم يوسف.
استشهدت أمي وهي تحتضن أخي
وتضيف الحاجة – المجعّد وجهها - "في إحدى الشوارع الرئيسية في القرية وجدنا قافلة على جانب الطريق ارتكبت بحقها مجزرة مروعة، فكل من فيها سقط بين قتيل وجريح وقد ملأت الأشلاء والدماء المكان".
ومن المشاهد التي ترويها الحاجة لـ"الرأي": "حادثة استشهاد والدتها حيث أصيبت بعيار ناري في كتفها ليلا وهي تحتضن أخيها الأصغر محمد الذي لم يتجاوز حينها العامين، مما دفع ابنها الأكبر حملها إلى أحد البيوت ليضمد جرحها النازف الذي لم يتوقف حتى فارقت الحياة صباح اليوم الجديد".
وتعود بنا الحاجة شمّة إلى مرارة العيش أثناء التهجير قائلة: "لقد وصل بنا الحال إلى أن نستخدم الدقيق غير الصالح للاستخدام الآدمي كي نصنع به كسرة خبز نسد بها جوعنا، الذي كاد يأكل بطوننا الفارغة".
البحث عن شربة ماء
وتستطرد حديثها: "ذهب أخي شلاش مع أصحابه للبحث عن شربة ماء في إحدى الحواري، ولكنهم تفاجئوا بوجود كمين لليهود، فأقدموا على اعتقال كل من في المكان وجمعوهم في (البايكة) إحدى الساحات في القرية وحملوهم في الدبابات، واتجهوا بنا نحو قطرة جنوبا حيث اعتقلوا الشباب وكبار السن وأخذوا النساء والأطفال إلى المجدل غربا، لمدة تزيد عن الشهر". حينها انقطعت أخبار أخيها وعدد من الأقارب. كما تقول.
وتتحدث بأسي – بينما ترتجف يداها - عن تلك اللحظات "بدأ الحاكم اليهودي وقتها بالتحقيق معنا قبل أن ينقلونا إلى بيت حانون شمال قطاع غزة، حيث كانت مستعمرة يهودية قبل أن يتم مبادلتها بالفالوجا ونزلنا في سجل السرايا قديما التابع للانتداب البريطاني".
سأعود إلى بلدتي
وتكمل الحاجة - ذات العيون الغائرة -: "لقد تكفّلنا أحد الفلسطينيين المقيمين في غزة، وأخذنا إلى منزله وجلب لنا الطعام والماء ومد لنا الفراش حتى نمنا للصباح، وبدأ كل منا يبحث عن أقرباءه حيث اجتمعت بابن عمي (مرعي) الذي سار بنا إلى بيت العم (حرب)، يومئذ غمرتني السعادة عندما اجتمع شملي بأخي شلاش الذي بقي حيا بعد أن انقطعت أخباره في قرية برير، لكنه لم يعمر طويلا حيث استشهد في عراق سويدان عندما ذهب ليجلب السلاح والعتاد منها.
وتقول الحاجة شمّة وهي ممسكة بالوثائق التي تبين أحقيتها بالأرض وبجانبها ابنها واثنين من أحفادها: "أتمني أن أعود يوما إلى بلدي فأنا لم أنس، مازلت أحلم بالرجوع، من يكره أرضه ووطنه يا بني؟ حتى وإن مت ولم يكتب الله لي العودة فإن أولادي وأحفادي سيعودون إلى هناك".
الحاجة "شمّة" هي نموذج للأجداد الفلسطينيين الأوائل الذين طردتهم قوات الاحتلال (الإسرائيلي) تحت تهديد السلاح والقنابل، كما كانت هذه الحاجّة هي إحدى الآلاف الذين نجوا بأرواحهم بأعجوبة!.

