غزة-الرأي- أحمد خالد:
لو رأيتم سحر "يبنا" و"أسدود" وعسقلان" لذهبتم زاحفين إليها، ولتمنيتم أن تعيشوا ولو للحظة بين أحضانها ، بهذه الكلمات بدأ الحاج شحدة الخالدي" 78 عاماً "، كلماته لثلة من أحفاده الذين كانوا يجلسون حوله وسط تلك الغرفة المتهالكة من القدم.
ينظرون إليه والدهشة تعلو وجوههم وهو يحثهم على أن لا يفرطوا في شبر واحد من أرضهم، بعد أن ظهرت عليه علامات الحزن لسماعه نبأ التلاعب بتعريف اللاجئ الفلسطيني، واقتصاره فقط على من عايش النكبة.
إنها مؤامرة
ولتسليط الضوء على حق اللاجئين الفلسطينيين وآمالهم في العودة لديارهم المحتلة، التقت "الرأي" اللاجئ الفلسطيني أبو أسامة، وأعدت التقرير التالي:
بعد لحظات صمت قليلة أطلق "أبو أسامة" تنهيدة قوية وجال بعينيه السمراوين يميناً ويسارا ينظر فيها إلى أحفاده قال: " لا تتركوها ، فأجدادكم قدموا الغالي والنفيس من أجل أن يعودوا إليها" .
وتابع" لم نكن نعلم أن هجرتنا ستدوم عقود ، ظننا أنها أيام أو أسابيع وسنعود لكنها المؤامرة، فمخطط التهجير والترحيل اكتملت فصولة بعد طوردنا بالطائرات التي لم تتوقف لحظة عن إلقاء حممها علينا إلى أن وصلنا إلى غزة. مشيراً إلى أنها لم تكن بالنسبة لهم النهاية.
جنة في الأرض
واستذكر وهو يضع يده برفق على رأس أحد أحفاده كل محاولات الدفاع عن الأرض، واصفاً لهم بلدتهم الأصلية كرتية التي كان عدد سكانها عام 1948 نحو 800 نسمه بأنها جنة الله في الأرض.
وبينما نحن جالسون نستمع إلى قصة الشيخ الكبير، وإذا بأحد أحفادة ينظر إليه ويسأله" جدي هل تذكر ذلك اليوم الذي دخل فيه اليهود على أرضنا؟! ، فضمه جده إليه برفق ماسحاً على رأسه قائلاً" بالطبع لن أنسي هذا اليوم ما حييت .
واسترسل " كنا نجلس في أمان وسلام، نزرع كروم العنب ، ونحرث الأرض ، نتنسم هواء بلدتنا العليل إلا أن باغتونا بوابل من القذائف والحمم ، أتذكر يومها كان وقت المغرب وكان والدي رحمه الله يجلس على باب المنزل وهو يشعر بالتعب، فطلبت منه أن يدخل ليستريح "
وتابع" فجأة رأينا الناس من حولنا يذهبون إلى وجهة لا يعلمونها ، وأصواتهم ترتفع ، فعرفنا أن ما كنا نخشاه قد وقع"، طلبت من والدي البقاء في المنزل مؤكداً له إنني سأعود، وطلبت منه أن يحافظ على "قواشين" الأرض وأن يحمي الأطفال.
سماء حمراء!
وتابع "هاجرت أنا وأثنين من أشقائي، اختبأنا في أحد حقول قصب السكر ، أما باقي العائلة ، فلم نعد نعلم عنهم شيء ، بعد تحولت السماء إلى اللون الأحمر من شدة ما أطلق فيها من نيران .
واستطرد القول "أطل علينا النهار، وإذا بنبأ استشهاده يأتينا، حزنا كثيراً ، وكانت هذه أخر الكلمات التي قيلت في أرض الأجداد، أرض المنشأ التي سنعود إليها".
وأشار إلى أن وكالة الغوث قامت فيما بعد بتقديم المساعدات العينية للمهجرين من أرضهم، وتكفلت بأن تحفظ حقوقهم إلى أن يعودوا إلى أرضهم، مؤكداً تمسكه بهذا الحق الذي أقرته كافة المواثيق الدولية ولن يقبل بغيره على حد تعبيره.
لا نقبل بالتعويض
وعندما سأله أحد أحفاده لماذا لا نقبل بالتعويض، نظر إليه جده نظرة أرعبت الموجودين جميعاً ورد قائلاً: "أتقبل أن تسلب منك أرض، وينتهك عرضك وتسكت؟ فرد الحفيد بالطبع "لا"، فرد الجد قائلاً: "هكذا هو حق العود حق لن يقبل التنازل أو التغيير أو التبديل، وسنعود.

