غزة- الرأي- عروبة عثمان:
بعد أن غادر الشهيد الأسير ميسرة أبو حمدية وجه الحياة، دونما أن يحقق حلمه بتقبيل جباه أحفاده الذين تعطشوا لرؤيته حياً لا ميتاً، يرجع الشعب الفلسطيني في شريط ذكرياته إلى الوراء قليلاً، فيقلبّون صور من رحلوا من الأسرى نتيجة الإهمال الطبي في سجون الاحتلال (الإسرائيلي).
أبو حمدية (64 عاماً) رقد على سرير الموت في مستشفى "سوروكا" بمدينة بئر السبع المحتلة، مكبلَ اليدين والقدمين، دون تقديم العلاج اللازم له بعد إصابته بسرطان الحنجرة، حيث عُولج بالماء والمسكنات، في خطوةٍ لقتله بشكل بطيء.
وباستشهاد أبو حمدية، يرتفع عدد الأسرى الشهداء من المرضى القابعين خلف السجون "الإسرائيلية" إلى 52 أسيراً، في حين يبلغ عدد المرضى 1200 أسير، من بينهم 14 أسيراً مصاباً بمرض السرطان، و22 أسيراً مقعداً.
قتل بطيء
ويعاني العشرات من الأسرى من أمراض مزمنة وخطيرة كالقلب والسرطان والفشل الكلوي، خاصةً بعد ارتفاع نسبة الأمراض الخبيثة في صفوفهم، بسبب سياسة الإهمال الطبي التي ينتهجها الاحتلال، من مماطلة وتسويف لعلاج الأسرى المرضى والظروف غير الصحية لأماكن احتجازهم .
ويقبع العديد من الأسرى في مستشفى سجن الرملة، بينهم خمسة مصابون بالشلل، وترفض إدارة مصلحة السجون "الإسرائيلية" عرضهم على أطباء متخصصين، كما ترفض الموافقة على طلبات يتقدم بها أهالي الأسرى للسماح لهم بإدخال أطباء من خارج السجون.
وتفتقر عيادات السجون إلى أبسط مستلزمات العلاج، وغالباً ما يصرف أطباء السجون مسكناتٍ فقط للأسرى الذين يعانون من أمراض تحتاج إلى تدخل جراحي عاجل، ما يعني مزيداً من التدهور في صحة الأسير المريض، والتسبب بضعف مناعته.
وتؤثر هذه المسكنات على وظائف جسم الأسير الحيوية، وتسهم في إصابته بأمراض المعدة والقرحة نتيجة تناولها لأشهر طويلة، ناهيك عن عدم إجراء الفحوص الطبية المخبرية للمرضى.
حقل التجارب
ويجزم الأسرى أن العيادات داخل السجون لا تهدف لعلاج الأسرى المرضى أو التخفيف من معاناتهم؛ بل لإجراء التجارب عليهم، والتعرف على الأدوية التي يتم إنتاجها ومدى فاعليتها وتأثيرها.
وتبلغ مساحة العيادة الواحدة قرابة أربعة أمتار، يشرف عليها طبيب عام غير مختص بجانب معين مهمته متابعة الأسرى المرضى وتشخيصهم وتزويدهم بالأدوية "المسكنات" دون التعرف على أسباب الأمراض الصحيحة.
ويحتاج الأسير المريض من أسبوع إلى شهر للخروج إلى عيادة السجن، أي بعد التسجيل للتوجه إلى العيادة؛ ما يعرضه لتدهور أوضاعه الصحية وتعريض الأسرى الآخرين للإصابة بالأمراض المعدية.
المماطلة والتسويف
ويرى الأسير المحرر، أكرم سلامة، في حديث سابق مع "فلسطين"، أن الأسرى المقعدين وأصحاب الاحتياجات الخاصة هم أكثر من يعانون داخل الأسر؛ وذلك لتعامل إدارة السجون معهم بقسوة واقتصار معاملتها على تزويدهم باحتياجاتهم كأكياس البول والبراز وغيرها، والتي تلزمهم باستخدام كيس واحد فقط.
وكشف النقاب عن وجود قرار "إسرائيلي" لاستخدام الأدوية وإجراء التجارب الطبية على الأسرى، مؤكدًا أن أطباء السجون يتعمدون ممارسة سياسة الإهمال الطبي بحق الأسرى ويرفضون تحويلهم لمستشفى سجن الرملة أو المستشفيات الخارجية، إلا بعد تدهور أوضاعهم الصحية.
وتحتاج عملية نقل الأسير المريض وتحويله من سجنٍ إلى مستشفى "الرملة" من شهر إلى شهرين، يقبع خلالها مدة شهرين آخرين للكشف عليه والتعرف على الأمراض التي يعاني منها والتي غالبا ما تكون تشخيصات خاطئة.
وينتهك الاحتلال "الإسرائيلي" بذلك أحكام وقواعد القانون الدولي والإنساني، لا سيما منطوق المواد (56،91،92) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم سلطات الاحتلال بتقديم "العلاج المناسب" لكل معتقل، ورعاية طبية "لا تقل عن الرعاية التي تقدم لعامة الناس".
أطباء السجون
إن دور الطبيب لا يختلف عن دور المحقق والجلاد، حيث يمارس أدواراً تتنافى مع أخلاقيات المهنة، ويشارك المحققين في تعذيب الأسير وانتزاع الاعترافات منه، وابتزازه لتقديم معلومات مقابل تقديم العلاج له.
وبيّن رياض الأشقر، مدير مركز أسرى فلسطين للدراسات، في حديثه مع "الرأي"، أبرز الأدوار اللاأخلاقية التي يمارسها الأطباء في المعتقلات "الإسرائيلية"، ومنها تبعية الطبيب في السجون إلى مصلحة السجون والجيش، وليس إلى مؤسسة صحية مدنية.
وأوضح الأشقر أن الطبيب "الإسرائيلي" يعامل المعتقل الفلسطيني على أنه "مخرب وإرهابي"، وليس إنساناً مريضاً يستحق المعاملة الإنسانية كبقية البشر، فضلاً عن ضربه وتوبيخه، وزيادة الضغط عليه دون أدنى رحمة.
ولا يتوقف الطبيب "الإسرائيلي" عند هذا الحد فحسب، بل يتعمد ابتزاز المعتقل ومساومته على إعطائه الدواء اللازم مقابل العمالة أو فك الإضراب عن الطعام، وكما يعد استمارة (اللياقة البدنية) للمعتقل لتحديد نقاط الضعف الجسدي لديه، لاستغلالها في الضغط عليه وإجباره على الاعتراف.
وناشد الأشقر منظمة الصحة العالمية وأطباء بلا حدود أن يكون لها دور في وضع حد لهذه الممارسات الإجرامية التي يرتكبها أطباء السجون بحق المعتقلين الفلسطينيين.
وكما طالب المجتمع الدولي بتصنيف هؤلاء الأطباء كمجرمي حرب وليسوا أطباء مهنيين، داعياً للضغط على الاحتلال لتقديم العلاج اللازم للأسرى قبل انعدام الأمل في شفائهم، ووقف سياسة الإهمال الطبي بحقهم.

