غزة- الرأي- عروبة عثمان
بجسدٍ تتزاحم الرصاصات للاستقرار فيه، وبقلبٍ ينبض فوق المعتاد ليقرع جرس الإنذار لوضعه الصحي الاستثنائي، وبكرسيِّ متحرك يشتهي صاحبه الحياة، وبمعدة وأمعاء بلاستيكية تتضور جوعاً ليشبع الناظرون لعتمة الزنازين من بعيد من وجبة كرامةٍ دسمة، يخوض الأسير منصور موقدة من سلفيت معركة الأمعاء الخاوية منذ 10 أيام، كي يغير واقعاً عجز الأصحاء عن تغييره.
أمعاء موقدة البلاستيكية لا تكترث مطلقاً للجوع، فالجوع مقابل الحرية تحوّل أمعاءه البلاستيكية إلى أمعاء حديدية تكسر جوع المحتل لتثبيط عزيمته، فأمعاؤه البلاستيكية الخاوية أكثر صدقاً من أمعاء المتشدقين بحقوق الإنسان الممتلئة بما صام عنه منذ زمن بعيد.
اعتقل منصور موقدة في 2/7/2002 بعد إصابته بست رصاصات خلال اشتباكات حصلت في قرية سنيرية قضاء قلقيلية حيث رفض الاستسلام وقتها، وهو مصاب بشلل نصفي و مقعد على كرسي ولا يستطيع البراز والتبول إلا من خلال أكياس متدلية من البطن، ولا يوجد له سوى معدة بلاستيكية.
لا يحمل موقدة إلا كأساً من الماء بيده اليمنى، وخارطة فلسطين بيده اليسرى، فهما سلاحاه السريان اللذان سيطلقان الرصاص نحو جسدٍ جثم على صدر الفلسطينيين لأكثر من نصف قرن، دون أن يرحل عن أرضٍ أثبتت شهادة حبها لأصحابها.
موقدة لم يكترث لأمعائه البلاستيكية، والرصاصات التي اخترقت جسده منذ سنين فأقعدته على كرسيٍّ تشرّب معنى التحدي والعناد من صاحبه، فخاض غمار حرب الأمعاء الخاوية ليخرج منتصراً من ساحة الوغى، ويذيق العدو هزيمةً لا تُحتمل.
كارثة إنسانية
يعيش منصور موقدة (41 عاماً) في زنزانته بسجن الرملة، التي تتعطش لإشراقه شمس، ونسمة هواء نظيفة تمحو من ذاكرته نتانة الزنزانة وعتمة قلب السجان (الإسرائيلي) الذي يتعمد قتله بشكل بطيء، ليراه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
الأكياس المتدلية من بطنه، والمتصلة بمعدة بلاستيكية جرّت أذيال الهزيمة للطبيب (الإسرائيلي) الذي يتبع الإدارة العسكرية ويشارك في مساومة موقدة على حياته، فلم يقف وضعه الصحي الاستثنائي أمام نيته تحقيق هدفه المتمثل في وضح حد لسياسة الإهمال الطبي.
صاحب المعدة والأمعاء البلاستيكية اضطرته رحلة دفاعه عن ثراه إلى أن يثخن جسده بالجراح، فهو لا يستخدم الحمام مطلقاً معتمداً على أكياس خاصة للتبول والتبرز، وذلك لتعرضه لإصابات جسيمة في المثانة، كما يمتلك أسياخاً في قدميه بعد أن أصيب بجراح عديدة فيهما.
أجريت لموقدة عدة عمليات جراحية في البطن والظهر والقدمين للتخلص من الرصاصات التي أبت إلا أن تحل ضيفةً على جسده، فرفضت رصاصة واحدة أن تزيل الوجع عنه، وترحل عن ظهره الذي يئن صباحَ مساء، فلا يكفيها تهتك جهازه الهضمي بالكامل والشلل النصفي الذي أصابه!
ويرفض الاحتلال إجراء عملية جراحية لموقدة للتخلص من الرصاصة، والتي يصل نسبة نجاحها إلى 1% فقط، حيث يكتفي بإعطائه المسكنات التي لا تخفف من الوجع إلا للحظات معدودة.
ويتوافد الآن أطباء من "مصلحة السجون" على زنزانة موقدة لإقناعه بالتراجع عن خطوته، بينما يصر موقدة على الاستمرار في هذه المعركة كي يحقق ما يصبو إليه ورفاقه.
ولادة الحياة
وقال محامي نادي الأسير، فادي عبيدات: "إن موقدة يصاب بحالات تشنج باليدين واختناق يؤدي إلى فقدان الوعي، وتم نقله أكثر من مرة إلى مستشفى خارجي بواسطة سيارة إسعاف بعد تركيب جهاز الأكسجين له، وإعطائه إبراً تساعده على العودة إلى وعيه".
وتابع "حالة موقدة لا توحي بالخير نتيجة نوبات الإغماء التي يتعرض لها بمعدل مرة واحدة كل أسبوعين، وهذه النوبات تؤدي إلى فقدان الوعي لمدة ثلاث ساعات، ما دفع الأطباء لإعطائه أكثر من عشر إبر للسيطرة على حالات التشنج وفقدان الوعي".
وأوضح النادي أن عدد الأسرى المرضى في عيادة سجن “الرملة” بلغ سبعة عشر أسيرًا يعانون من أمراض مختلفة ويتعرضون لإهمال طبي متعمّد.
الأسير المحرر سامي خالد من رام الله، والذي رافق موقدة لأيام في مستشفى سجن "الرملة" يقول إن "المفارقة في الأمل الذي يصحو تارةً ويخبو تارةً أخرى بفعل الزمن البطيء وحقائق الواقع الرديء، تدفع الإنسان إلى التوحد مع الحزن، وهو ما يحصل الآن مع موقدة".
وأكد نزار الدقروق مدير نادي الأسير في محافظة سلفيت، أن النادي نظم حملة تضامن ومناصرة للأسير موقدة، انطلقت في معظم محافظات الضفة بهدف الضغط على الاحتلال لإعادة النظر في حالة الأسير موقدة من منظور أخلاقي وإنساني.
وشدد الدقروق على ضرورة الإفراج عنه من أجل تلقي العلاج في ظل سياسة الإهمال الطبي التي يتعرض لها الأسير في مستشفى سجن الرملة.
وتبقى كلمات منصور موقدة معلقةً في أذهان العالم الحر“أقسم للعالم إن شاهدوا جسدي لبكوا على حالتي، ويوماً ما سأخرج للعالم لأريهم جسدي وبطني وأمعائي، لكنني على أي حال سأحاول الاستمرار في الحياة”، في محاولة حثيثة لاقتناص فرصة ثمينة للحياة من بين سجون الموت.

