غزة – الرأي – أحمد خالد:
بأمعائهم الخاوية ونفوسهم العزيزة التي أبت الذل والخضوع مقابل منحهم الحرية ليتنفسوا الصعداء بعد رحلة عذاب عاشوها في غياهب السجون استطاعوا أن يثبتوا لكل من وصله نبأهم أن الكف يستطيع أن يناطح المخرز وينتصر عليه.
تلك هي حكاية الأبطال الذين دفعهم حب الوطن، لدفع فاتورة الذود عن عرضه أمام محتلٍ غاصب، سلب الأرض وانتهك العرض، فأمضوا زهرات أعمارهم داخل معتقلات القهر التي فشلت بكسر إرادتهم التي حولت السجون لمقاومة من نوعاً آخر.
الأسير المحرر أيمن الشراونة وأحد نماذج هؤلاء الأبطال يروي تفاصيل رحلة صمود تكللت بالنصر المؤزر يقول: "بدأت الإضرابات في السجون بصورة جماعية وبتكاتف من الأسرى كافة، الأمر الذي دفع إدارة السجون لحرماننا من أبسط الحقوق".
ويضيف الشراونة في حديثه لوكالة "الرأي": "في بداية إضرابي كنت ألعب 4 ساعات متواصلة يومياً، ولازلت حينها مضرباً عن الطعام لليوم الـ 28 دون أن أتناول أي فيتامين، لقد مشيت 12 كيلو متر في السجن، فشعرت بقدرتي على التحمل فأصررت على المُضي".
وبين أن جهاز الشاباك (الإسرائيلي) عرض عليه الإبعاد لكنه رفض، مما دفعهم لنقله من سجن لآخر وزنزانة لأخرى، لكن ذلك لم يفُت في عضده رغم الحرمان والألم اللذين يشعرانه بالبعد عن الأحبة والأهل مضيفاً "في بداية الإضراب لم أتناول سوى الماء فقط".
وولد الشراونة 1976 في بلدة دوروا جنوب مدينة الخليل، حيث بدأ إضرابه عن الطعام داخل السجن في الأول من أغسطس عام 2012 احتجاجاً على إعادة اعتقاله في يناير 2012 بعد تحرره ضمن صفقة وفاء الأحرار حيث صدر بحقه حكماً بالسجن الفعلي 38 عاماً قضى منها 10 اعوام.
إصرار على الانتصار
ويتابع مستذكراً لحظات المعركة حامية الوطيس "أضربت أولاً لمدة 6 أيام متواصلة دون رؤية الماء وكان وضعي صعب جداً، فشعرت حينها بأنني سوف أفارق الحياة، حينها قاموا بإجباري علي تناول الماء ووضعوه لي عبر الوريد من خلال المحلول".
ويشير إلى أن ضباط المخابرات تعاملوا معه بقسوة وعنف خلال فترة الإضراب، من خلال تكرار الحديثه له أنه سيموت داخل المعتقل وهم وينظرون دون أن يحرك أحد ساكناً، لكن تلك المعاملة كانت تزيدني أصراراً على الصمود من أجل الأنتصار، حسب قوله.
وعن رحلة التنقل بين طيات العذاب قال الشراونة: "وضعوني في عزل سجن بئر السبع، في البرد القارس، ومنعوني من رؤية الشمس، وأجبروني أن أذهب للمحامي مشياً رغم تعبي الشديد اثر الإضراب، إمعاناً في إذلالي.
ولفت إلى أن السجانين عاملوه بقسوة، رغم حديثه لهم بأنه ما زال يتألم، مطالباً إياهم بالأفراج عنه، لكنهم كانوا يدعونه إلى تناول الطعام وفك الأضراب لتعود له العافية، في ظل رفضهم تقديم العالج اللازم لوضعي الصحي.
واستدرك "لقد كبلوني علي سريري علي مدار الـ24 ساعة يومياً، وسمحولي بدخول مرة كل 12 ساعة، وعندما كنت أدخل للحمام كان يدخل معي أحد الحراس من أجل إهانتي"، موضحاً أن أدارة السجن حرمته من النوم من خلال مضايقته عن الخلود للسرير.
وقال ذلك المُنتصر "كانت تنزل بي الآلام والأوجاع عندما أتذكر الطعام فأمعائي خاوية، واتبعوا معي أسلوب الحرب النفسية، وضعوا بجانبي وأنا علي السرير طاولة مليئة بأشهى الطعام، ويذلوني ظناً منهم بقدرتهم على قهري واختبار ومدي تحملي، لكني أذهلتهم".
إقناع فاشل
وذكر عن رحلة العذاب بين المستشفيات "قضيت 31 يوماً داخل مستشفي سيروكا و جلس معي ضباط كبار من الشاباك (الإسرائيلي) علي مدار 22يوماً ليقنعوني بفك الإضراب، لكنني رفضت وسط استفزازاتهم ليّ، حيث بدأوا يقولون لي أنت ستموت هنا ولن يسأل عنك شعبك ولايهمه أمرك".
ونوه إلى أن جهاز الشاباك أستخدم معه كل الطرق والوسائل لابتزازه في أصراره على أن كرامته أغلي من التنازل دون تحقيق مطالبة العادلة.
وأضاف "قبل الإفراج عني بـ5 أيام قاموا بتبديل السكن الخاص بي، وعرضوا عليّ بنود مجحفة وخيروني بين الإبعاد إلي الدول العربية والأجنبية ما عدا الأردن وغزة، لكنني رفضت أية فكرة منهم، وعاهدت نفسي أن ابقي مستمراً في إضرابي حتى يفرجوا عني داخل وطني وبين أحبتي أو أن أموت".
وأوضح أن بعد 3 جولات من المفاوضات المتكررة وقع علي وثيقة الترحيل إلي غزة لمدة 10 أعوام ويسمح له خلالها بالسفر للخارج، ليتم بعدها التفكير بالعودة إلي الضفة المحتلة، مكملاً "لقد حاولوا أن يلعبوا ببعض الكلمات في الوثيقة التي وقعتُ عليها، على صعيد حركة التنقل".
وكان جنود الشباك قد رفضوا حينها إبلاغ الشراونه بموعد معين للإفراج عنه، لكنه وبعد مررور 12 ساعة من توقيع الأتفاق تم إعلامه بأنه سيرحل إلى قطاع غزة، حسب قوله.
وأوضح "وقعت الصفقة في الثالثة عصراً، لكن ضابط المخابرات بدأ يقول لي، منظرك يا أيمن مش حلو وشعرك كبير جداً وليس جميلاً أن تخرج بهذا الشكل الغير مقبول، وطلبوا أن يجلبوا لي حلاق ليحلق شعري ويلبسوني بدلة، لكنني رفضت لشدة الآلام التي تعتصرني".
الشاي والشوكولاته
ويحدثنا عن مستوي الدناءة لدي الاحتلال قائلاً: "طلبوا مني أن ألتقط معهم بعضاً من الصور برفقة المجندات، وعرضوا عليّ أن أشرب كوباً من الشاي ومعلقتين من الشوكولاتة لكنني رفضت وأصروا على ذلك وقلت لهم في اللحظات الأخيرة للإفراج عني سأفعل ما تريدون".
وأضاف "قبل لحظات من الأفراج عني قالوا لي أنت وعدتنا بأن تأكل الشوكولاتة وتشرب كوب الشاي، فقلت لهم لن أفعل ذلك وعليكم إرجاعي للسجن من حيث جئت، فلم يكن أمامهم حينها مجال سوى إطلاق سراحي نحو غزة".
وعن لحظة دخوله أرض القطاع، تفاجأ الأسير المحرر من استقبال أهل غزة له بفرحة وبهجة كبيرة، حينها شعر بنشوة الانتصار علي السجن والسجان وأن ظلمة الليل مهما استمرت فإن الصبح وفجر الحرية قريب، كما وصف.
وبهذا أصبح الشراونة مثلاً يحتذا به على صعيد الصبر والصمود في وجه الطغيان حتى استرداد الحقوق المسلوبة بقوة السلاح، لأنه ما أخذ بالقوة لا يترد إلا بالقوة، وليس قوة السلاح فقط وإنما قوة الإرادة والعزيمة التي لا تلين.

