خانيونس – الرأي- فرج العقاد:
استقبلنا بفرحة ممزوجة بالحزن والأسى على من فقدهم قبل 65 عاماً حين علم بقدومنا إليه للحديث عن ذكريات النكبة، فقلبنا ذاكرته المملوءة بمشاهد قريته "يبنا" الجميلة التي هجر منها قسراً تحت فوهات البنادق وقذائف الموت (الإسرائيلية).
الحاج نعيم شكشك (77عاماً) من حي الأمل بمحافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، عمل بعد دراسته للصف الرابع في مجال تشجير الحدائق في مطار "عاقر" العسكري، حين كان تحت إدارة "الاحتلال الانجليزي" قبل هجرته لغزة.
وانضم أبو محمود لاحقاً إلى منظمة "يبنا العمومية" للمشاركة بمقاومة المُحتل لأرضه، ثم التحق بصفوف الشرطة المدنية التي عاصرت الحكم المصري و(الإسرائيلي) للقطاع مروراً بعهد السلطة الفلسطينية إلى أن تقاعد عام 2005.
ويشير المُهجر صاحب الذاكرة القوية في حديثة لوكالة "الرأي" إلى الأحداث التي جرت خلال النكبة باليوم والتاريخ والساعة، مما يدلل على مدى حجم الجرائم التي ارتكبتها العصابات (الإسرائيلية) بحق المدنيين الأبرياء حتى رسخت في ذهنه طوال هذه المدة.
ويقول: "اليهود في بداية وجودهم على أرض فلسطين كانوا قلة ضعيفة، لدرجة أن العربي لو رفع عصاه، ولوح بها في وجوههم لبث في قلوبهم الرعب والخوف، إلى أنهم كانوا يعدون أنفسهم جيداً للسنوات القادمة ويحشدون قوتهم وأسلحتهم".
ويراجع شكشك ذكرياته بالقول "كان الضباط (الإسرائيليون) يأتون إلى مطار "عاقر" العسكري في وقت استراحة الإنجليز وذهابهم لتناول الغداء وقت الظهيرة، فيدخلون بوابات المطار بسيارتهم الكبيرة ويقومون بشحنها بجميع الأسلحة المتنوعة".
ويتابع: "حينما يفرغون الضباط من ذلك، يقومون بتكميم الحراس العرب الموكل إليهم حراسة المطار، وتكتيفهم ورميهم أرضا وإلقاء صناديق الأسلحة الفارغة عليهم".
ونوه إلى أن حراسة المطار كانت موكلة لعسكر "أبوحنيك"، التابعين للملك عبد لله، وسُمي بهذا الاسم نسبةً إلى قائده البريطاني الذي لقب نفسه بهذا الاسم ليتقرب من الفلسطينيين، وكان يلبس لباسهم ويتقلد بتقاليدهم حتى يصل إلى ما يرنو إليه بدهاء ومكر.
يروي الحاج نعيم لنا، كيف كانت الطائرات العسكرية العملاقة تنقل العتاد والأسلحة بكل أشكالها من قبرص وأوروبا للمطارات الحربية، مثل مطار بن "غوريون" ومطار "جولس" لتقوية الاحتلال، وفق وعد بلفور.
وبيّن أن العصابات اليهودية هاجمت القرى الفلسطينية ونفذت العديد من المجازر كمجزرة "دير ياسين"على يد جماعتين (إسرائيليتين) تدعى "أرجون" و"شتيرن".
ويستذكر أبو محمود ما جرى عام الهجرة، فيقول إن مدينة يافا الساحلية هي أول مدينة هاجمتها عصابات اليهود، حيث أقدم الاحتلال على اقتحام المدينة وضربها في 15 مايو 1948.
ويروي أن اليهود استولوا على المدن والقرى المحيطة مثل بيت دجن ويازور، حيث واجههم الفدائيون الفلسطينيون بأسلحتهم البسيطة، لكنها لم تفعل شيئاً أمام الترسانة المتقدمة للمحتلين، بعدها أقام اليهود ثكنات لتمكين أنفسهم و السيطرة على المزيد من القرى والبلدات المجاورة.
ويقول شكشك إن السلاح الذي وصل لأيدي الفدائيين كان مصرياً، حيث باعه التجار بأغلى الأثمان، حتى باع الكثيرون ذهب زوجاتهم وما يملكون من أجل الحصول على السلاح كي يدافعون به عن أنفسهم.
يبنا.. محطة التقاء
بعد هجرة الناس من يافا والقرى المحيطة بها، تجمع الأهالي في مدينة يبنا التي امتلأت شوارعها بالناس والفارين من موت عصابات القتل والإجرام الصهيونية، لعدم تكافؤ موازين القوى وعدم توفر السلاح وقلة الرصاص بيد المقاومين.
يرجع أبو محمود في شريط ذكرياته، قائلاً: " قاومت بشيت بسلاح محدود وبمدفع به 3 طلقات،و صمدت من الفجر إلى ابعد آذان العصر حين استطاع اليهود اقتحامها".
وعندما توالت الأخبار عن اقتحام القرى المحيطة بيبنا، غادر الجميع يبنا متخذين طريق الساحل طريقا للنجاة إلى إن وصل الحال بالحاج نعيم هو وزوجته وبناته الأربع إلى منطقة بني سويرح بالقرب من دير البلح، ثم توجه منها إلى جورة العقاد بمدينة خان يونس.
ما بين النكبة والنكسة
بعد أن استقر الحال بأبي محمود بمعسكر خان يونس، مرت السنين سريعا ولا زال القتل والترويع ديدن الاحتلال، فارتكبوا بالمدينة مجزرة56 التي سجلها التاريخ وراح ضحيتها مئات الشهداء، وكان لايزال الحاج يعمل شرطيا بمنطقة دير البلح حيث يترك زوجته وأولاده ويذهب إلى عمله.
وحينما أعلن الاحتلال حالة الطوارئ لسخونة الأحداث، دكت الدبابات معسكر خانيونس بالقذائف العشوائية، ما أجبر عائلة الحاج أبو محمد للهروب إلى خندق صغير، لتفادي الإصابة.
وسقطت إحدى هذه القذائف على الخندق بشكل مباشر، لكن العائلة لم تصب بشظاياها، بل سقط سقف الخندق عليهم، فاستشهد جميعهم اختناقاً تحت التراب.
ولحسن حظه، كان ابنه الأكبر برفقة أختيه في زيارة لأحد الأقارب، ليكتب الله النجاة لهم، ويكملوا مسيرة النضال مع والدهم الحاج أبو محمود.
مساومة على تزويجه
عندما علم الحاكم العسكري بما حل بعائلة أبو محمود، أراد أن يوظف الجريمة التي ارتكبوها لمصلحته الدنيئة، فطلبه للحضور لمكتبه، وعرض عليه تزويجه وبناء بيته المدمر، وقدم كل الإغراءات المالية له مقابل أن يزودهم بمعلومات عن المقاومين ، لكن أبا محمود أبى إلا أن يكون وفياً لفلسطين.
ارتقاء النجم الخامس..
وتوالت معاناة الحاج أبي محمود مع الاحتلال عبر المراحل الزمنية المختلفة، فاستشهد ابنه محمد (23 عاماً) في حرب الفرقان 2008، حيث كان مرافقاً للشهيد اسماعيل الجعبري مسؤول جهاز الأمن والحماية في الحكومة الفلسطينية آنذاك
وبعد استشهاد زوجته وأربعة من أبنائه الصغار، قرر الزواج من ابنة عمته ليعوضه الله بستة أبناء وأربع بنات.
وأبرق أبو محمود، في نهاية لقاء "الرأي" معه، رسالةَ إلى كل اللاجئين الفلسطينيين بضرورة الصبر وعدم التفريط بحق العودة المشروع، آملاً من الفصائل الفلسطينية اتخاذ القدس بوصلتهم نحو تحرير كلما التراب الفلسطيني.

