غزة – الرأي – هاجر حرب:
رغم تقادم سنها، وفتك المرض بها، إلا أن ذاكرتها لا زالت مثقلة بتفاصيل بلدتها "عبدس" التي هجرت وعائلتها منها قسراً عام 1948، يحيرك حين تجالسها حنينها لبلدتها الأصلية، فكأنما تملك في تجاعيد وجهها وكفيها حل اللغز الذي عجزت البشرية عن حله منذ65 عاماً.
الحاجة صبحية حماد (77عاماً) نزعت عن نفسها تعقيدات القرن الحادي والعشرين، تناست المرض، وحولت إحدى غرف مستشفى الشفاء إلى مجلس تذّكر فيه الأجيال المتعاقبة بحق العودة، والدعوة للتمسك بالأرض، تستذكر نقاء الطبيعة، ورغد العيش قبل النكبة.
مفتاح العودة
تجلس وحولها عدد من الأطباء والممرضين وبعض من أحفادها، تسألهم: هل تعرفون أن بالأمس القريب مرّ 65 عاماً على ضياع أرضكم؟ هل أنتم مستعدون لحمل هذا؟! تقولها وهي تشير بيدها إلى مفتاح منزلها في عبدس.
مفتاحٌ علقته في رقبتها، ولم تنسَ أن تأخذه معها رغم صغر سنها، حين هجر المحتل سكان البلدة عن أرضهم، وكأنها بذلك تقول أن أرواحنا معلقة بعودتنا إلى أرضنا.
تصف الحاجة صبحية لمراسلة "الرأي" حياة البلاد، بكل تفاصيلها، في الفرح والحزن، في العمل وسط حقول القمح، وكروم العنب، في رعي المواشي ورؤوس الحلال، والخيول التي تعبر عن أصالة الأعراق والأنساب.
تقول وتنهيدة قوية تزفر من صدرها المتعب" لن تعرفوا معنى الحياة إلا إذا عدتم إلى هناك،" تلوّح بيدها يميناً وكأنها ترى بلدتها نصب عينيها.
وتضيف: "كانت الحياة بسيطة، خالية من التعقيدات، نصحو صباحاً نحمل على رؤوسنا جرار الماء، ونذهب إلى النبع، وأقدامنا النحيلة تتراقص، ونحن نركض خلف بعضنا، وما أن ننتهي حتى تتجدد المهام".
نقاء الطبيعة
وتستذكر الحاجة السبعينية كيف كانت تذهب يومياً لإيصال الطعام للرجال وهم يفلحون الأرض، مشيرةً إلى أن لعائلتها في عبدس مئات الدونمات التي كانوا يزرعونها ويحصدونها.
تواصل حديثها، ومن حولها يدققون النظر في وجهها "منزلنا لم يكون من طوابق، كنا نعيش في غرفة واحدة مصنوعة من الطين، لكنها كانت تجمعنا حول قصعة واحدة مصنوعة من القش، كان للطعام فيها مذاق مختلف".
عرس فولكلوري
تتوقف قليلاً فتلتقط أنفاسها المتلاحقة، لتروي لنا تفاصيل الزفاف الفلسطيني التي كانت تبتعد عن مظاهر البذخ والترف الزائد، فالعروس تبقى في منزلها طوال فترة التحضير لحفل الزفاف الذي يستمر لمدة أسبوع، يشارك فيها أهالي القرية العروسين فرحتهما.
وأوضحت أنه بعد أن يجري الاتفاق مسبقاً بين العريس والعروس وأهلها على مبدأ الزواج وتفاصيله، تبدأ مراسم الاحتفال بالعرس.
ففي ليلة الحناء تزين العروس بالحناء، وتوضع أمامها أطباق الورد والحناء المزينة بالشموع تحيط بها أخواتها وقريباتها، وهن يغنين لها الأغاني التقليدية فيما يخضبن يدها بالحناء.
وأشارت إلى أن الرجال أيضاً كان لهم طقوس خاصة، وسط تهليل الحضور من الرجال والغناء ومن ثم يقوم أقاربه بمساعدته على ارتداء ملابسه المكونة من السروال و(القمباز) والعباءة والذهاب إلى خيمة العروس لإحضارها إلى بيت الزوجية يرافقه أهله وأصدقاؤه وسط الأهازيج والدبكة الشعبية.
وعن السبب وراء الاحتفاظ بتلك العادات قالت "نحن نحمي عاداتنا وتقاليدنا القديمة لنحافظ على هذا التراث ونورثه للأجيال القادمة، ونؤكد لأنفسنا وللعالم أجمع أن الهوية الفلسطينية ستظل خالدة إلى الأبد".
التداوي بالحنتيت
أما العلاج والتداوي على طريقة الجدات كان له مذاق مختلف، فلا عقاقير تعرف، ولا ضمادات سوى تلك المصنوعة من "اللبخات" التي تصنعها الأم لأبنائها داخل المنزل، لتخفيف من آلامهم.مشيرةً إلى أن قرن الحنتيت كان العلاج الناجع في معالجة العديد من الأمراض.
وقرن الحنتيت هو عبارة عن قرن يعتقد أن له دوراً في شفاء الكثير من الأمراض، بعد نقعه لساعات مع اللبن الرائب الموضوع في إناء فخاري، إضافة إلى لجوئهم للتداوي بالأعشاب العطرية كالميرامية والشيح، علاوةً على ما يعرف بعظمة الذئب وكانوا يربطونها في عنق الأطفال المصابين ببحات صوتية حادة، ونزلات البرد.
ولا زالت الحاجة صبحية تحتفظ حتى اللحظة بكثير من مقتنيات منزلها في عبدس، كالجاروشة، والبراني (إناء فخاري)، والوقاية (طاقية مزينة بما يعرف بالليرات الذهب)، والقصعة المصنوعة من القش والمعدة للطعام، واللحفا (أغطية كانوا يستخدمونها في الشتاء تصنع من الصوف والقطن).
لكن رغم أمنياتها بالعودة إلى أرضها، إلا أن حلم تحقيق المصالحة الفلسطينية يتصدر قائمة أولويات الأمنيات بالنسبة لها، تبقي هي كما كل الفلسطينيين الداعين لإنهاء الانقسام، ليتمكنوا من تحقيق النصر المنشود.




