غزة-الرأي-عروبة عثمان:
يقاومون زخم الرصاص المصبوب والقذائف المتهافتة على أرواحهم المتشبثة بالحياة، لتعطّلها وتحلّ لغز الارتباط التلقائي بينها وبين زادها الرئيسي المتمثل في ستة حروف لا سابع لها، فيمدّهم "أبو الدبعي" بجرعةٍ مركزّة من مقاومة ذاك الزخم المفعم بالنفور من كل ما هو فلسطيني.
في الحلكة الشديدة، ووسط رائحة الموت التي تفوح من كل زقاق من أزقة قطاع غزة، وشهوة الاحتلال لاصطياد كل فرص الحياة، ليحوِّلها لمشاهد قاتمة، يحل "أبو الدبعي" ضيفاً على منازل الغزيين، ليمحو ولو لدقائق معدودة عن وجوه قاطنيها علامات تعبهم من حرب مجنونة لا تفقه إلا لغة الدم.
ويصحب "أبو الدبعي" كثيراً من الفلسطينيين في جولات التخفيف من حدة معاناتهم، فصفحته الشخصية على "الفيسبوك" بات يحجّ إليها كلُّ من أراد أن يروّح عن نفسه، ويبحث عمن يسخر من الاحتلال بطريقة كوميدية واقعية.
"أبو الدبعي" شخصيةٌ مستوحاة من التراث الفلسطيني والعربي، تدق باب المقاومة بقوة وتهدم أسوار الظلم، وتفش غليل الفلسطينيين الذين يحبون الحياة ما استطاعوا إليها سبيلاً، بحثّهم على عدم الخوف من أصوات المدافع "الإسرائيلية" أو رفع راية الاستسلام.
ويعد "أبو الدبعي" بطلاً من أبطال الحكايات الخارقين للعادة، حيث لا تخفى عليه حقائق الأمور وخباياها، ومن هنا انطلق الشاب الصحفي "عمر زين الدين" بفكرته التي سرعان ما نفّذها على "الفيسبوك" قبيل الحرب الأخيرة على غزة بعدة شهور، بهدف محاكاة الواقع المصري الذي يخلق حجماً هائلاً من التفاعل والتأثير عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ضحكةٌ من القلب
ويقول زين الدين لـ "الرأي: "في بدايات الحرب كان من المفترض أن أنتقل لعملي الصحفي، لكن ظروف المؤسسة التي أعمل بها، لم تتح لي أن أمارس عملي الصحفي، فرجعت لفكرة الصفحة الخاصة بالتسلية ومواكبة الأحداث ما قبل قرع طبول الحرب على غزة".
ويضيف: "كنت أتابع الأحداث وأعلق عليها عبر كوميكس وتعليقات ساخرة، بهدف تمكين الجبهة الداخلية الفلسطينية وكسر هيبة الاحتلال وجبروته المسيّطر على عقول أهل غزة، خاصةً خلال الحرب السابقة التي عايشها الجميع".
خاض زين الدين من خلال شخصية "أبو الدبعي" غمار حربه مع العدو الصهيوني، فكانت تصريحات الاحتلال السخيفة مقابل تماسك المقاومة ودقة إصاباتها وتطورها النوعي، دافعه لمواصلة العمل والنشر على مدار الساعة.
ولم يكن يتوقع "أبو الدبعي" ازدياد عدد معجبيه بفترة قياسية، فمن 3000 شخص ما قبل الحرب إلى أكثر من 26 ألف اليوم، الأمر الذي حفّزه على الاستمرار في هذا الطريق، والتفكير بكل ما هو جديد ونوعي يلج قلوب معجبيه.
وعلى أصوات آلات الحرب التي لا تتحملها غزة المحاصرة، كان أهلها يسرقون وقتاً للضحك والفكاهة بمساعدة "أبو الدبعي" الذي ساعدهم على امتصاص صدماتهم ونسيان جراحهم، من خلال تعليقات ساخرة على صفحته على "الفيسبوك" تجبر من يرزخ تحت القصف أن ينتج ضحكة صادقة من كل قلبه.
ووفق الجدول الروتيني المعتاد لغزة، فإن التيار الكهربائي لا يزور بيوتها طيلة الأربعة والعشرين ساعة، فغيابه أكثر من حضوره، ومع ذلك كان عمر زين الدين يستغل فترة انقطاعه في التصميم، ليباشر في النشر فور مجيئه.
بحلته الكرتونية قريباً
ولم يكن "أبو الدبعي" وزين الدين يعرفان درباً للهروب من القصف، ففي أعقد اللحظات وأكثرها صعوبةً المتمثلة في قصف مناطق عديدة قريبة من منزلهما الذي يقع وسط غزة قرب المقرات الحكومية المعرضة للاستهداف دوماً، كانا يمنحان بعضهما الشجاعة لينقلاها لجمهورهما الذي يترقب ما ستفجره صفحتهما التي تحمل توقيع "أبو الدبعي".
جاءت اللحظة الحاسمة، لحظة إعلان التهدئة في تمام الساعة التاسعة من مساء الأربعاء 21/11/2012، حيث حضّر "أبو الدبعي" نفسه لساعة النصر بتعليق ساخر انتشر كالنار في الهشيم على جدران الفلسطينيين الفيسبوكية، موجّهاً سؤالاً للشيخ أفيخاي أدرعي "لو ضربنا الصاروخ الساعة 8:57 ووصل تل أبيب الساعة 9، هل يعد هذا خرقا للتهدئة؟!"
وبعد أيام معدودة من انتصار المقاومة الفلسطينية، أراد "أبو الدبعي" أن يقيس ردود فعل الجمهور على صفحته، فتفاجأ من حجم عشقهم لشخصيته وتعليقاته، وبقي محتفظاً بردودهم مثل "عنجد كنت زي الثلج في عز الحر يا أبو الدبعي" و"كل ما أقوله أنك ذكي وبلوة من بلاوي الزمن... كل شيء مقاومة حتى أبو الدبعي وصفحته قاومت".
وانهالت على "أبو الدبعي" تعليقات أخرى من كل حدب وصوب، فقال معجبوه: "يا أخي يا أبو الدبعي خليتنا نبتسم والقصف شغال.. والله تستاهل جائزة من حكومتنا، أقسم بالله حتى لو كانت جائزة معنوية واللي موافق يعمل لايك" و "بنصحك ترشح حالك للانتخابات يا أبو الدبعي يا حبيب الشعب".
وبعد أن طُويت صفحة الحرب، فُتحت صفحة انضمام عدد من الجنود المجهولين من الضفة الغربية وقطاع غزة لحملة تطوير أفكار "أبو الدبعي"، وذلك باختيار حدث سياسي هام وربطه بواقع آخر مختلف تماماً في الموقف، لكنه مطابق في التفاصيل.
ويهدف "أبو الدبعي"، من خلال الكوميديا السوداء، تنوير الرأي العام بزوايا قد تكون غافلة عنه، وتصحيح بعض المفاهيم المغلوطة عند جمهوره، لذا اتجه فريقه إلى جعله حياً بالكلام والحركة، من خلال تقديم حلقات كرتونية قصيرة الأمد، باستخدام برامج ثري دي ماكس وبرامج بريمير للتعليق على موضوعات بعينها.
ويقول زين الدين لـ "الرأي": لم تعد الفكرة مقتصرة على شخصي، فهناك فريق كامل يضطلع بعمل جميل، كما أن كثيراً من المهتمين يرسلون اقتراحاتهم عبر الصفحة، ونقوم باختيار الأنسب وتصميه".
ويتعهد "أبو الدبعي" بتقديم المزيد من اللمسات واللفتات المثيرة للانتباه، لجذب أكبر عدد ممكن من الجمهور، بشرط إيصال رسالة المقاومة الفلسطينية والحفاظ عليها.

