غزة – الرأي – شعبان عدس:
اشتكى عدد من المواطنين وأطفالهم مما أسموه "مطاردة" موظفي بلدية غزة لهم خلال عملهم في ساحة الجندي المجهول (وسط مدينة غزة) من خلال منعهم من استخدام المركبات الكهربائية "اللاسلكية" في كسب الرزق، من خلال تسلية الأطفال مقابل أجر.
وتعمد طواقم بلدية غزة على منع أولئك المواطنين من استخدام تلك المركبات داخل ساحة الجندي المجهول بدعوى أنها تسيء للمظهر العام وتسبب بالأذى للموطنين الذين يرتادون المكان غير المخصص لتلك الألعاب، كما قالت.
وكان فيديو نُشر على موقع "يوتيوب" أظهر موظفي بلدية غزة وهم يلاحقون مجموعة من الأطفال لمصادرة مركباتهم الكهربائية "اللاسلكية" بهدف منعهم من العودة إلى المكان مرة أخرى.
وعدّ الأطفال في حديثهم خلال الفيديو ممارسات رجال البلدية بحقهم ومنعهم من العمل على تلك السيارات لتوفير لقمة عيشهم تأتي في إطار محاربتهم في أرزاقهم في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها المواطن في قطاع غزة.
وطالب هؤلاء "المسئولين بوضع حل لهذه المشكلة"، وقالوا: "نحن نأتي من أجل كسب الرزق ولا نتسبب بضرر لأي أحد، بل على العكس فنحن نُسعد الأطفال بألعابنا مقابل أجر، فنحن لم نسرق ولم نتسول"!.
مساعدة ذويهم
الشاب محمد الذي فضل عدم ذكر اسم عائلته شاهدته وكالة "الرأي" وهو يهرب من رجال البلدية وبصحبته مركبته الكهربائية في شارع الشهداء خوفاً من مصادرتها وعدم تمكنه من جلب قوت يومه يقول لمراسلنا: "عندما استطعنا أن نوفر المصروف اليومي وجدنا من يلاحقنا عليه، نحن نستغرب من ذلك".
ويشير الطفل البالغ من العمر (15عاما) إلى أنه يأتي هو ومجموعة من زملائه ليمارسوا "عملهم" داخل المنطقة المذكورة بهدف توفير القليل من المال ليستطيعوا من خلاله مساعدة ذويهم في تغطية مصاريف الحياة الثقيلة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وقلة فرص العمل.
ويضيف - بعد أن أخذنا جانباً خوفاً من أن يره أحدهم - "أنا أسأل لماذا يلاحقوننا ويمنعونا من الترويح عن الأطفال مقابل أجر، فهذا يمكننا من العيش بكرامة كباقي أطفال العالم، وهل يوجد عمل آخر يتوفر لي وأنا رفضته، كل ما نسعى إليه هو عدم اللجوء للناس والتسول في الطرقات".
ونوه محمد إلى أنه يتمكن من خلال العمل على مركبته تلك من جمع مبلغ من المال يقدر بـ30 شيقلا يوميا، موضحاً أنه في بعض الأيام يسوء العمل ليصل ما يحصله خلال فترة عملة 10 شواقل فقط.
ويضيف: "العائلات التي تأتي للجندي المجهول تهرب من المنازل للتفريج عن أنفسها وأطفالها، ونحن نستثمر ذلك الأمر بالعمل والحصول على بعض الأموال، وعملنا هذا لا يؤثر على أحد مطلقا، بل على العكس؛ نرسم من خلاله البسمة على شفاه كل المتواجدين بما تصدره ألعابنا من أصوات وأناشيد".
حالة اعتداء
كذلك حال المواطن ممدوح سلامة مع رجال البلدية، فهو يُمنع من بيع "البالونات الملونة" داخل ساحة الجندي المجهول إلى جانب أولاده الذي يعملون على مركبة كهربائية لتوفير جزءٍ من مصاريف البيت الذي يحتضن بداخله أسرة مكونة من 10 أفراد.
سلامة (48عاماً) يقول لـ"الرأي": "يقوم رجال البلدية بمنعنا من العمل في ذلك المجال من خلال مطاردتنا، لكن أنا لا أعلم لماذا يقومون بهذا الأمر معنا، فنحن لم نأت إلى هذا المكان لتنزه كباقي الناس، لكننا نأتي من أجل توفير لقمة العيش الكريمة لي ولعائلتي".
وبين سلامة :" أنه كان يعمل في مهنة الخياطة التي تعطلت بسبب الحصار وسوء الظروف في قطاع غزة الأمر الذي دفعه للعمل في هذا المجال، مضيفاً "أنا عاطل عن العمل ولا توجد فرص عمل ولا حتى بطالة فماذا يردون مني أن افعل؟".
ويتابع "في ذات الأيام لاحقوا ابني وكانوا سيصادرون منه المركبة، وكُنت ساعتها أبيع "البالونات" على مسافة منه، فعلمت بالأمر فأسرعت إلى المكان لإنهاء المشكلة، ولكنني تعرضت للضرب من قبل رجال البلدية وأوقعوني على ظهري وكُسرت نظارتي".
وذكر أنه في أكثر من مرة سأل موظفي البلدية عن سبب منعهم للعمل بهذا المكان رغم عدم تسببهم بضرر للآخرين، فكان جوابهم: "نحن ننفذ أوامر من البلدية"، وعندما طلب منهم أنو يوفروا له فرصة عمل غيرها كان الجواب: "نحن لسنا شئون اجتماعية".
ويؤكد سلامة أن الموطنين الذي يرتادون الجندي المجهول يتمتعون بوجود تلك الألعاب باعتبارها "الشيء الوحيد الذي يضفي على المكان الجمال، في ظل ما يشهده من إهمال على صعيد الزينة والإنجيل، إضافة إلى انتشار الجرذان بكثرة دون اهتمام من قبل المسئولين".
ويتساءل: "ما المانع من أن ينظموا العمل بتلك العربات طالما أن المواطنين سعيدون بتواجدها، وأن يأخذوا مقابل ذلك رسوم رمزية ممن يريدون العمل في هذه المهنة بدلاً من مطاردتنا"، مبيناً أن البلدية تأخذ منهم مبلغ 20 شيقل مقابل إرجاع أي عربة تم مصادرتها.
وتجولت وكالة "الرأي" في ساحة الجندي المجهول واستطلعت آراء بعض العائلات التي تواجد هناك حول ظاهرة المركبات الكهربائية، حيث قال هؤلاء "أنها (المركبات الكهربائية) تمثل بالنسبة لهم وسيلة للترفيه عن أبنائهم الذين يتشوقون لركوبها فور مشاهدتها".
واقترحت تلك العائلات بضرورة التنسيق للعمل بخصوص تلك الألعاب بحيث يتم تجميعها في الساحة الغربية للجندي المجهول، وعدم تجولها بين الأهالي، لتوفير مظهر جميل يساهم في إظهار المكان بشكلٍ لائق يسعد الأطفال وذويهم، وفي ذات الوقت يكون مشهد ساحة الجندي مشهدٌ حضاري ومرتب.
رد البلدية
بدوره، قال م. حاتم الشيخ خليل مدير دائرة التنظيم ودير العلاقات العامة في بلدية غزة: "إن الجندي المجهول لم يخصص لمثل هذه الألعاب لكي يقوم المواطنين باستخدامه لهذا الهدف، فهو مكان للجلسات فقط كونه يمثل جزيرة عريضة تفصل بين طريقين رئيسيين بالمدينة".
وأشار الشيخ خليل في حديث لوكالة "الرأي" إلى أن البلدية "حاولت أكثر من مرة تنظيم عمل المواطنين وأبنائهم بخصوص العربات الكهربائية داخل ساحة الجندي المجهول، لكن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل، بعد أن أصبح عدد من يمارسون هذا الأمر يتزايد باستمرار".
ونوه إلى أن البلدية تقوم في عملها على "تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة في مثل هذه الأمور، مما دفع باتجاه منعها بتاتاً، لما تسببه من إساءة إلى المنظر العام وإزعاج للمواطنين القادمين إلى المكان للتمتع بفترة من الصفاء والراحة".
وأوضح أنه في عام من الأعوام سمحت البلدية لأحد المواطنين بإقامة لعبة القطار داخل حديقة الجندي، "لكن عندما شعرت أن تلك اللعبة ستشكل خطر على المواطنين وأطفالهم الذين سيتجمعون بالقرب منه في ظل وجود طريق عام مليء بالمركبات تم منعه وإزالته".
وبين الشيخ خليل أن كافة طواقم البلدية العاملة في محافظات القطاع تسعى إلى فرض النظام وتوفير المنظر الحضاري للشوارع والأسواق الأماكن العامة من خلال منع أي تجاوزات مثل البسطات العشوائية و"الأكشاك" لما تشكله من خطر على الأمن في بعض الحالات التي اكتشفت مؤخراً.
وأضاف: "أنا أكثر الأشخاص الذي يتعاطفون مع المواطنين أصحاب البسطات العشوائية، لكن فرض النظام والمصلحة العامة تكون أكبر من حالة هنا أوهناك، نحن نطبق القانون لكي نوفر الأمن والنظام لأبناء شعبنا في كافة المناطق".
واستدرك "ساحة الجندي المجهول غير مخصصة لعمل المركبات الكهربائية، فهناك الكثير من الأماكن المُرخصة التي من الممكن أن يتوجه لها المواطنين للترفيه عن أبنائهم من خلال الألعاب الموجودة بها دون تعريضهم للخطر".
ويشار إلى أن محافظات قطاع غزة تفتقر إلى أماكن ومساحات ترفيهية مجانية، يستطيع المواطنون الاستفادة منها استفادة متبادلة، بحيث تمكّن للعاملين بالحصول على أجر مقابل "ألعابهم ومركباتهم الكهربائية"، وتمكّن الأهالي من ترفيه أبناءهم، دون التسبب بأي نوع من الإيذاء أو التأثير على المشهد الحضاري.

