غزة – خاص الرأي:
عندما يجتاح الخبثُ النفوس، ويستوطن الطمع قلوباً تجردت من أي معنىً للإنسانية، لتُعمي الأنانية أبصارهم؛ من أجل تسخير البشر لخدمتهم دون أي رحمةٍ تُذكر، فيفكرون بمنطـقٍ "شيطانيٍ" بحتْ، باحثين عن إشباع رغباتهم الدنيئة دون استشعار بخطورة أفعالهم في أجساد طاهرة.
"هشام" صاحب العشرين عاماً، ترعرع في كنف أسرة مستورة الحال، وعائلته مشهودٌ لها بطيب السمعة وحسن التربية وعلو الأخلاق، جُل ما ترتئيه احترام المجتمع، أنشأت أبناءها نشأة صالحة طيبة المنبت.
كان "هشام" على خلقٍ عظيم وملتزماً بتعاليم الدين والعادات والتقاليد والأعراف المجتمعية، معروفاً عنه بحسن السلوك والطباع إلا أنه لم يحالفه الحظ في إكمال دراسته، فاتجه والده إلى تعليمه مهنةً يعتاش منها لمستقبله.
وبعد ارتياده للعديد من المهن، قرر امتهان مجال "الطوبار" مما دفعه ذلك للعمل عند أكثر من مقاول لتعلمها، وفعلاً كان مثالاً للعامل المنتظم والمجد.
استقر "هشام" للعمل عند أحد المقاولين لبناء أحد الأبراج، مستمراً فيه لشهورٍ طويلة كان يلاحظ خلالها عدم شعوره بالتعب والإرهاق، وحبه الكثير للسهر بالإضافة إلى نقصان وزنه.
وكان يُرجع ذلك في كل مرة إلى انغماسه الشديد بالعمل وبذله لمجهود إضافي، لاسيما وأن الأعراض التي يعاني منها كان يعانيها جميع العمال.
بعد قرابة ستة شهور انتهى العمل، وجلس داخل المنزل بانتظار الحصول على ارتباط جديد مع مقاول آخر.
في اليوم الأول شعر "هشام "بدوار شديد وإرهاق عام في جسده، وفي اليوم الثاني بدت عليه ملامح الإرهاق والتعب الشديد وارتفاع حرارته، ظناً منه في بادئ الأمر أنها أعراض انفلونزا فقط، لكن سرعان ما تطورت حالته وبدأ بالصراخ جراء الألم الشديد الذي يشعر به، ما استدعى نقله إلى المستشفى بأقصى سرعة.
من المعاينة الأولى للطبيب؛ جاءت الصعقة على هشام ووالده ليخبرهما الطبيب أن هذه الأعراض لا تحدث إلا مع المدمنين الذين انقطعوا عن إدمانهم، مخبراً إياهم أن تحليل الدم سيثبت صحة كلامه، وبالفعل تبين من فحص الدم أن الشابَّ مُدمنٌ على تعاطي الاترمال وبكثرة.
صدمة الوالد كانت عنيفة جداً وانعكست على معاملته مع هشام الذي لم يصدق ما سمعه، وبدأ يخبر والده أنه الابن الذي رباه، فلم يتجه يوماً لفعل مشين يغضبه أو يغضب رب العالمين، لكن الوالد لم يصدق ابنه مطلقاً، وعدّ كلامه تبريرات للخروج من الأزمة التي يعاني منها.
انقضت الأيام وأثناء وجوده في ساحة المستشفى التقى "هشام" بأحد سكان الحي الذي يقطنه وتربطه علاقة قوية به، وبعد أن تبادلا الحديث؛ أخبره بأنه قادم مع شقيقه الأصغر الذي تبين أنه مدمن "ترامال"، وأخبره بأن شقيقة أنكر الأمر، وأقسم بالله العظيم أنه لم يضع حبة "ترامال" واحدة في فمه خلال حياته.
وسرعان ما بدأت تفاصيل القصة تتشابك بينهما، وتتبين أحداث القصة، فكلاهما لديه نفس المعطيات، وسرعان ما اكتشفا أن هشام وشقيق الرجل يعملان معاً في مهنة "الطوبار"، وشعر أنهما ضحية لقصة ما، فتوجّها إلى الشرطة الموجودة داخل المستشفى، وأخبرا بالقصة.
وبعد ساعات قليلة اكتشفت الشرطة قصةً مشابهة لشابين آخرين، وسرعان ما بدأ التحقيق بالحادثة مع الشبان الأربعة؛ ليتبيَّنَ أنهم جميعهم ضحية عملية خداعٍ غير معروفة المصدر.
ومع تكثيف التحقيقات والتحريات؛ تبين أن مقاولهم كان يضع حبوب "الأترامال" داخل إناء الشاي حتى لا يشعروا العمال بالتعب أو حاجتهم للنوم، وبالتالي ينجزون مهاماً أكبر من المخصصة لهم.
ويخضع الآن العمال الأربعة إلى برنامج فطام لتخليصهم من آفة "الأترامال"، بينما يقبع المقاول داخل أحد السجون بتهمة الاحتيال وترويج "الأترامال" بأسلوب غير شرعي.

