غزة – الرأي:
أسوار تحيطها أسوار تعلوها أبراج للمراقبة في كل زاوية ومكان، تضم بين جوانبها غرفٌ فوق الأرض وأخرى تحتها شبيه بالقبر لا يدخلها هواء أو نور، ضيقة حد الاختناق، جدرانها خاليةٌ إلا من عفنٍ تراكم عليه عبر السنين، كل ما فيها دورة مياه وسرير ملاصق لها.
الجملة السابقة هي بمثابة وصف بسيط قد يرينا أو يشعرنا بشيء من معالم حياة الألاف من الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني، ومن بينهم الأسير محمود عيسي الذي يعده الاحتلال، أحد أخطر ثمانية أسرى معتقلين لديه.
سيرة بطل
الأسير محمود عيسى من مواليد عام 1968م في قرية "عناتا" بمدينة القدس، تربى في كنف أسرةٍ محافظةٍ تتسم بالبساطة والالتزام، فشبّ في ربوع الأقصى وأحضانه؛ ليدرس المرحلة الابتدائية في مدرسة ذكور عناتا والمرحلة الثانوية في مدرسة الرشيدية في القدس التي كانت النواة الأولى لالتزامه وانضمامه لصفوف الحركة الطلابية الإسلامية، وقد كان شغوفاً للعمل من أجل القدس والدفاع عنها.
ثم عمل بعدها مديراً لمكتب صحيفة صوت الحق والحرية في مدينة القدس؛ والتي كانت تصدر في مدينة أم النور (أم الفحم)، حين تم اختياره للعمل في صفوف المقاومة الفلسطينية، ومشاركاً في أشهر عملياتها وخاصة عندما قامت مجموعة من كتائب القسّام باختطاف الجندي الصهيوني "نسيم توليدانو" قرب مدينة "اللّد" المحتلّة بتاريخ 13-12-1992، مطالبين سلطات الاحتلال بإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين، لكنّ دولة الاحتلال لم تستجب لمطلبهم فقُتِل توليدانو.
وعلى إثرها تم إطلاق حملة شرسة من قبل الاحتلال على حركة حماس وإبعاد حوالي 415 من قادتها إلى مرج الزهور، واعتقال آلاف من عناصرها في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة كان من بينهم محمود عيسى، والذي اعتُقَل من منزله بعناتا آنذاك بتاريخ 3-6-1993 ولم يكن يتجاوز من العمر 25 عاماً.
وشارك عيسي في الكثير من العمليات التي أدت إلى قتل جنود إسرائيليين مما دفع قاضي التحقيق إلى الحكم عليه بالسجن المؤبد 3مرات متداخلة، و46 سنة إضافية، لتبدأ بعدها رحلة المعاناة في فترة التحقيق بقسم العزل الانفرادي بسجن الرملة، والذي يعتبر من أسوأ الأقسام التي عرفتها سجون الاحتلال ، وهو عبارة عن طابق تحت الأرض.
كبرياء مقاوم
بعد الانتهاء من رحلة التحقيق وخروجه من العزل، لم يقبل عيسى بالواقع الجديد الذي فُرض عليه والحكم الجائر ما دفعه إلى التفكير في محاولة للهرب، وحفره لنفق برفقة زملاءه أسفل السجن بطول عشرة أمتار، لكنّ سلطات الاحتلال اكتشفت النفق وأمسكت بهم مفرقةً إياهم مع التمديد لفترة سجنهم ونقلهم إلى العزل الانفرادي.
ولم يتوقف مشواره إلى هنا ليتم إعادته عام 1998م إلى التحقيق في معتقل المسكوبية لمدة 3 أشهر واستخدام أقصى أساليب التعذيب بحقه بتهمة تشكيله لمجموعة عسكرية في القدس، وتقديم التمويل المالي لها وقتل مستوطن صهيوني، لينقل بعدها مباشرة إلى العزل الانفرادي في سجن بئر السبع وعسقلان لمدة عامين متواصلين ومضافاً إلى حكمه ستة سنوات إضافية .
ولم يكن الأسير عيسى ينعم بنور الشمس والهواء النقي لفترة طويلة، فما أن يخرج من العزل الانفرادي حتى يعاد وضعه في عزل آخر ممنوعاً من الحديث مع أحد سوى صوت السجان القبيح الذي يجلب له الطعام وقليلاً.
استمر عيسى على هذا الحال مدة 13 عاماً وهو في زنزانته يتلو القرآن ويدون القصص منتظراً فرج الله، وفي العام الماضي خاض إضراباً مفتوحاً عن الطعام لإخراج الأسرى المعزولين من زنازينهم، ليتوج صبره وجهاده بعدها برؤية النور بعد حرمان طويل.
ثلاثة عشر عاما من العزل المتواصل عاشها عيسى بجميع صنوف العذاب، وأحد عشر عاماً أخرى في سجون الاحتلال يتجرع فيها الألم، لكنه يصر على أن يعمر قلبه بالأمل والنصر القريب، ومشتاقاً لقلب أمه التي تعاني من المرض وتشتهي رؤيته ولو للحظات عابرة لتهدأ من لوعة اشتعالها للقائه، وما زال الاحتلال يخشى من عيسى واضعاً عليه أشد القيود والمراقبات وتنقله من سجن لآخر كل حين.
ويبقي عيسى نموذجاً من الصبر والاحتساب فداءً لوطن أقسم على الله أن يبذل كل ما يملكه من أجل تحريره ومعلناً في كل رسالة يُرسلها "إننا على العهد باقون حتى يمنَّ الله علينا بالنصر المبين".

