خان يونس - الرأي - فرج العقاد:
يتكئ عميد عشيرة اصليح، الشيخ إدريس "أبو فؤاد"، على وسادة بيضاء اللون صنعت من صوف الخراف، وأمامه كانون "منكل" النار تعمره بكارج القهوة السادة، ويتوسط بجلسته كبار ووجهاء العشيرة التي تسكن شرق مدينة خان يونس.
ويجتمع شباب العائلة إلى جانب المخاتير والشياب كل مساء في سهرة تمتد إلى ما بعد منتصف الليل، يضمهم بيت الشعر الذي عرفه الآباء والأجداد في حلهم وترحالهم صيفا وشتاءً.
شعر الماعز
يصنع بيت الشعر من وبر الماعز، حيث يمتاز بمقاومته لتقلبات فصول السنة المتعاقبة، فتجده صيفا يدخله الهواء العليل ونسمات المساء تعبق أركانه من كل الجهات، أما في الشتاء فيمنع سقفه من تساقط الأمطار ويجلب الدفء الوفير.
ويتخذ بيت الشعر شكلاً طوليا أفقيا بعمق بسيط يقارب المترين ويثبت بالأرض بأوتاد ويشد إليها بحبال متينة، ويفرش بأبسطة تنسج يدويا يعلوها "جواعد" الخراف بلونها الأبيض الناصع والأسود.
ويقول شيخ القبيلة أبو فؤاد لـ "الرأي إنه أراد من وراء بناء بيت الشعر هو "العودة لتراث الماضي كي نزرعه في نفوس أبنائنا والأجيال الشابة، ليتمسكوا به ونحفظه من الضياع والاندثار".
ويضيف: "بما أننا أصحاب حق على هذه الأرض، لا بدّ من أن نتمسك بتراثنا الفلسطيني الأصيل لمواجهة سياسة التهويد الصهيونية التي تسعى لتغيير الواقع على الأرض".
بيت الضيافة
وأوضح الشيخ إدريس أنه قام ببناء بيت كبير من الشعر استورده من الأردن وجهزه بكل الإمكانيات بكلفة وصلت 50 ألف دولار.
وسعى من وراء ذلك إلى تجسيد الأخوة والتعاضد وتمتين العلاقات الاجتماعية بين العائلات الفلسطينية، من خلال استقبال وجهاء ومخاتير القطاع في بيت الشعر
وبيّن الشيخ أن تكلفه بناء بيت من الشعر كبير الحجم يصل إلى 6 ألاف دينار أردني، مشيرا إلى أن هناك بيوتاً صغيرة الحجم يبلغ طولها 10 أمتار بعرض أربعة بنصف الثمن.
أعراف وتقاليد
وقال أبو فؤاد إن "للعشيرة أعرافاً وتقاليد نتمسك بها، وهي من التقاليد العربية الأصيلة التي يجتمع عليها العرب في كل البلاد العربية كنصرة المظلوم وإكرام الضيف ورد الضيم".
وأوضح أن من بين قضايا الدم التي تم القضاء فيها وحلها في ملتقى العشيرة هي مشكلة قديمة حدثت قبل 120 عاما بين أبو نصر وأبو فاطمة، وراح ضحيتها ثلاث قتلى من الطرفين.
وذكر الشيخ إدريس أنه بجهود المخلصين من مخاتير العشيرة، تم حل الخلاف والصلح بينهما قبل ثلاثة أشهر، وهو الهدف الذي يسعى إليه الملتقى في تعزيز الروابط الاجتماعية ونشر ثقافة التآخي والتلاحم بين المجتمع الفلسطيني وحل النزاعات بعيداً عن التقاتل.
ملتقى للسمر
ويلتقي كل ليلة في بيت الشعر أبناء العائلة وكبارها ومخاتير العائلات المجاورة والمعارف والأصدقاء، حيث يتسامرون ويلقون قصائد الشعر ويتداولون آخر الأخبار ومستجدات الساحة.
إلى جانب ذلك، يؤدي المجتمعون الدبكة الشعبية والدحية، ويتمتّعون بألحان الربابة والشبابة والسمسمية واليرغول والمجوز، وهي أسماء لآلات موسيقية من التراث الفلسطيني العريق، كما تقام فيه الأفراح، ويتم إحياء المناسبات المختلفة كذلك.
وأجمل ما قيل في بيت الشعر، ويحفظه كل من يتربع على بساطه المزركش بألوانه المتناسقة، إنه "بيت مشرع والهرج فيه مقرع، ديوانه عمران وبكرجه مليان وناره حية"، وقيل عنه إنه "ملم الأجاويد".
ويعدّ التمسك بتراث الأجداد أحد أشكال مقاومة الاحتلال الصهيوني ومواجهة سياسة التهويد التي ينتهجها ضد الفلسطينيين منذ وطأت قدماه أرضهم.
تصوير/ ضياء الأغا

