غزة -الرأي-هاجر حرب:
إلى ثلاجة الموت نُقل الطفل محمد عاشور الذي لم يبلغ من العمر (6 أعوام)، ينتظر بشوق اللحاق بروضة من رياض الجنة، فكيف كان شكله؟ وكم بلغ عمره تحديداً؟؟ وأين كانت أمه التي انتظرت قدومه إلى الدنيا (15عاماً) حين اختطفته طائرات الحقد الصهيونية وغطّت ذكرياته الصغيرة وحوّلت ذاك الجسد الغضّ إلى أشلاء ؟؟
ربما هي أسئلة عبثية تثار في أذهان من شاهد الحدث عبر شاشات التلفزة قبل عام بعدوان الأيام الثمانية، لكن الحقيقة التي لا تدع مجالاً للشك، بأن طياري الاحتلال لم يكن لديهم الوقت لتأمل وجوه الضحايا، فعلى الأرض دماء وأشلاء وعويل.
"الصاروخ قسمه لنصفين"
الطفل عاشور كان حاصل جمع بلغ 191 شهيداً من بينهم 48 طفلاً، قسمه الصاروخ الذي أطلقته طائرة حربية صهيونية إلى نصفين، حين كان يلعب برفقة أبناء عمه تحت شجرة الزيتون التي عاهدها بصوت خافت أن يلازمها قبل أن يخرق صوت طائرة الحقد سكون شملهم.
في قصة محمد يغيب الحديث عن فداحة الجرائم المرتكبة ضد المدنيين في غزة، بعد أن بات الإجرام من نافلة الفعل الصهيوني العادي.
لم يدرّ بخلد أبا محمد أن قرار العودة إلى أرض الوطن والاستقرار فيها بعد غربة دامت 30 عاماً بالإمارات سيكون الأصعب والأكثر قسوة، ليس عليه فقط، بل على كل من عرف محمد الابن الذكر الوحيد لعائلة عاشور.
الحادثة وربما الفاجعة ترويها لـ "الرأي" أنوار عاشور أحد شهود العيان، والتي رأت بأم العين كيف كانت اللحظات الأخيرة لمحمد وأبناء عمه الخمسة الذين أصيبوا بجروح مختلفة، فتقول "لن تصدقي حجم المأساة، لم يبق من محمد سوى بعض قطع الملابس المتناثرة هنا وهناك وبعضٍ من أشلاءه التي أوصلناها للمستشفى على مراحل".
وتضيف أنوار وكلماتها تخنقها العبارات: "جاء محمد إلى غزة برفقة والدته وشقيقاته الأربعة ليستقروا في غزة قبل ثلاثة أشهر من وقوع حرب حجارة السجيل، بينما والدهم ينهي إجراءات العودة وترك العمل في الإمارات، لكن يبدو أن الاحتلال دائماً يٌصرٌ على ملاحقة الفلسطيني أينما كان".
"اغتيال البراءة"
وتتابع: "الصاروخ الصهيوني توسط جسد محمد واغتال براءته وبتر أحلامه، فلم يتسنى له الوقت لأن يصرخ مودعاً أو مستغيثا"، مؤكدةً أن الاحتلال يستخدم على الدوام أسلحة لها القدرة على القتل الأكيد، وهذا ما حدث مع الأطفال الذين كانوا يلعبون غير آبهين بأزيز الطائرات التي كانت تغطي سماء غزة.
وتشير أنوار إلى أن استهداف محمد وأبناء عمه كان في اليوم السادس لحرب الأيام الثمانية،" حينها توقفت الكلمات وحتى النبضات وتجمدت المشاعر وارتبط اللسان واستأذنت العقول من أصحابها برهة لتستجمع ما تبقى من الحدث".
واسترسلت" توقف العقل ليحاول استيعاب ما يحدث، جريمة لا علاقة لها بالإنسانية فقد تجاوزت كل عقل بشري".
وتتذكر أنوار أن اللحظة الأصعب في المشهد كانت حين اعتقد الناجون أن كل الأطفال المتواجدين قد استشهدوا، ليتبين لاحقاً بعد أن خفت غبار الصاروخ أن محمد الوحيد الذي استشهد، لكن لم يتمكن أحد من التعرف على هويته.
وتصف المشهد قائلةً: "كان وجهه منتفخاً ولونه أزرق مائلاً إلى الأصفر وعيناها جاحظتين ويغطي ما تبقى من وجهه وشعره الغبار، أما نصفه السفلي فكان ممزق تماماً، لكن الوحيدة التي تمكنت من شم رائحة جسده هي أمه".
وتشير إلى أن والدته هرولت دون وعي تحتضنه وتتعرف عليه من رائحته وبعض قطع ملابسه، لكنها كانت صابرة ومحتسبه، لافتةً النظر إلى أن بشاعة المشهد حرمت شقيقاته من إلقاء النظرة الأخيرة عليه وما رسم في مخيلتهن له هو تلك الأشلاء
"لم يستطع الكلام"
أما والده الذي تلقى نبأ استشهاد ابنه وهو في غربته لم يحظَ حتى ببرهة من الزمن كي يودع طفله الوداع الأخير، بفعل الحرب والإغلاق المتكرر لمعبر رفح.
الوالد المكلوم على فقدان طفله عندما تحدثنا معه أصابته حالة من الاختناق ولم يقدر على مواصلة الكلام ليعبر لنا عن مشاعره، ويفضفض لنا ما يختلج به صدره جراء هذه الجريمة.
وكان محمد بحسب شاهدة العيان يتمتع بذكاء حاد، وخفة ظل غير اعتيادية لمن هم في مثل سنه، وتضيف وهي تحبس أنفسها: "خرج يلعب وكان ما يفصله عن الموت 15 دقيقة فقط، هو ذات الرقم الذي انتظرته والدته ليرى محمد النور، بفارق أن الحديث عن الأخير كان بالسنوات".
دفن محمد واحتضنته أرض غزة، وغادر ذووه القطاع إلى الإمارات مودعين غير يائسين بأن يكتب الله لهم العودة ليزورا قبر صغيرهم، متشبثين بأمل النصر الذي لا ينقطع لدى من عاش في غزة وعرفها.

