غزة - الرأي - إيمان عابد
يصرخ بأعلى صوته من شدة الألم الذي أصاب معدته على حين غفلة، يستنجد بزملائه الذين أصيبوا بالهلع مما أصابه، فقد كان قبل لحظات لا يشكو من شيء يسامرهم ويضحك برفقتهم، حالة من الإرباك أصابت الجميع، وعلت أصوات الصراخ في المكان دون توقف، أخذ الجميع بالصراخ على السجان طارقين أبواب السجن بكل ما امتلكت أيديهم من قوة لأجل إنقاذ حياة زميلهم بأسرع وقت ممكن ... يأتي السجان على مهل وبلكنته اللعينة يقول: "شو في مالكم صاحين وعاملين دوشة، مالوا هذا إلى بيصرخ، شربوه شاي أو شي سخن بكرة الصبح بس يجي الدكتور بشوفه".
مشهد بسيط لمعاناة يومية يعيشها الأسرى داخل أقبية سجون الاحتلال على وقع سياسة الإهمال الطبي التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية وما يلحق بها من تداعيات خطيرة على حياة الأسرى، والتي تشكل واحد من علامات الاستفهام حول سياسة الاهمال الطبي المخالفة لكافة الأعراف والقوانين الدولية، حيث يجبر كل أسير يحتاج إلى العلاج للتوقيع على "ملف طبي سري" يتضمن تحمل الأسير أي مسؤولية طبية عن حياته، وإخلاء إدارة السجون من أي تبعات وأضرار تلحق بصحة الأسير.
مشاهد المعاناة
المحرر أكرم سلامة يروي تفاصيل التوقيع على هذا الملف كواحد من الشاهدين على جرائم الاحتلال في ما يسمى بعيادة سجن الرملة، حيث أكد على أن الأسرى المرضى يُجبرون على التوقيع على الملف السري الطبي، قبل اعطاءهم أي حبة دواء أو إجراء فحوصات طبية، وهناك أسرى قد استشهدوا بعد أن وقّعوا على الملف الطبي بأسبوع كالأسير سيطان الولي الذي توفى دون معرفة السبب فجأة بعد توقيعه على الملف السري الطبي.
وتحدث أكرم سلامة عن الإجراءات الطبية التي تشخص حالة الأسير بحيث يرسل الأسير إلى طبيب مدني يشخص وضعه الصحي، منوهاً أن التقرير الطبي يرسل من المستشفى المدني إلى العسكري دونما أن يراه الأسير أو حتى المحامي.
إجبارٌ على التوقيع
وأضاف سلامة: "مصلحة السجون تجبر الأسير على التوقيع على الملف الطبي مع علمها بخطورة حالته الصحية و قربه من الموت، كما حصل مع الشهيد أشرف أبو ذريع والتي كانت تعلم سلطات الاحتلال بتردي وضعه الصحي وأجبرته على التوقيع على الملف السري إلا أنه استشهد بعد خروجه من الأسر بأيام معدودة، وبالمثل الأسير المسن محمد أبو هدوان صاحب الـ "56عاماً" الذي استشهد بعد ست سنوات من إصابته بمرض القلب، مما أدى إلى تغير لون قلبه والذي تبين بعدها خلال التشخيص أنه يعانى من أورام على القلب ولم تعلمه سلطات الاحتلال بمرض القلب كل هدا الفترة بالرغم من تشخيص الطبيب المدني لمرضه".
وأوضح سلامة أن إدارة السجون لا تقدم العلاج للأسير المريض إلا بعد عناء شديد ومماطلة مستمرة من مصلحة السجون، وهناك تقصير واضح من الصليب الأحمر في متابعة دوره؛ لأن سلطات الاحتلال تخبره بحالة الأسير الطبية ويراقبها بالزيارات دونما مسائلة عن تشخيص الطبيب المدني".
تشخيص خاطئ
المحرر أكرم الريخاوي الذي خاض إضرباً مفتوحا عن الطعام مدة 90 يوماً يروى لنا قصص بعض الأسرى الذين وقعوا على الملف السري ويقول: "أنا رفضت التوقيع على الملف السري الطبي؛ لأني كنت أعلم حينها أن تشخيص مرضي غير صحيح"، مؤكداً أن إدارة السجون ما دامت لا تطلع الأسير على تشخيص الطبيب المدني فتشخيص مرضه إذن غير صحيح وغير مثبت، وعلى الأسير أن يستوعب مسبقا أن لا يوقع على الملف مشيراً أنه لم يوقع على الملف نظرا لمنع سلطات الاحتلال له من رؤية تقرير الطبيب المدني.
وبيّن أن جميع الأسرى الآن باتوا يجبرون على التوقيع على الملف السري الطبي لتلقى العلاج كخيار وحيد للشفاء من أمراضهم، مضيفاً أن الأسير مراد أبو زقوت والأسير حسن الترابي كانا يعانيان من مرض السرطان وتم تشخيص حالتهم من قبل إدارة السجون التي تبين فيها أنهم يعانون من أنيميا في الدم، إلا أنه بعد إجبارهم على التوقيع على الملف السري الطبي وقبل استشهادهم تم الكشف عن حقيقة مرضهم.
وأشار الريخاوي إلى أن إدارة سجون الاحتلال انتهجت في الآونة الأخيرة سياسة خطيرة تهدد حياة الأسرى في السجون وهي إجبار الأسير على التوقيع على الملف الطبي السري بحيث يتحمل الأسير مسئولية توقيعه على نوعية العلاج الذي يتناوله، لتتنصل إدارة السجون من أي مراجعات قانونية من قبل المحاكم الداخلية الإسرائيلية أو المحاكم الدولية بشأن حياة الأسير ووضعه الصحي، وجاءت تلك الخطوة بعد استشهاد عدد من الأسرى في السجون نتيجة الإهمال الطبي.
مطالباتٌ بالكشف
بدوره، شدد مدير عام العلاقات العامة والإعلام بوزارة الأسري أشرف حسين على خطورة إجبار الأسرى على التوقيع على الملف السري الطبي مقابل الحصول على العلاج، حيث إن مثل هذه الإجراء هو مخالف لكافة الأعراف والقوانين الدولية، مطالباً مؤسسة الصليب الأحمر برفع البصمات عن القتيل والخروج بتقرير سرى عن مرض الأسير وعدم الصمت إزاء ما يحدث من جرائم مخالفة لجميع المواثيق الدولية.
وأضاف: "يبقى السؤال موجهاً لكافة المؤسسات الرسمية الدولية والعاملة في مجال حقوق الإنسان عن ماهية موقفها أمام حجم الأعداد الهائلة والمتزايدة المرشحة للموت في السجون الإسرائيلية والتي ذابت أجسادهم من المرض وسياسة الإهمال الطبي".

