غزة – الرأي:
جاء رد فعل الاحتلال الصهيوني على مقتل أحد العاملين في وزارة الحرب الاسرائيلية على حدود غزة عنيفاً ومركزاً، قياساً مع الفترة الماضية التي امتدت منذ حرب الأيام الثمانية، حيث استهدف قصفه مواقع للقسام وسرايا القدس في رسالة مزدوجة المعاني والأهداف.
وقال مركز أطلس للدراسات أن رسالة الاحتلال كان أولها تحميل المسؤولية مباشرة لحركة حماس والقسام، وثانيها أن الاحتلال لن يمرر مثل هذه "الاختراقات" للتهدئة بدون رد عنيف، وثالثها أن الاحتلال رغم رد فعلة العنيف لازالت معنية باستمرار المحافظة على التهدئة ولا ترغب في التصعيد.
ولفت المركز إلى أن رد الاحتلال استند إلى تفويض من نتنياهو ووزير حربه يعلون، ويأتي في سياق قراءة سياسية أمنية للحالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يعيش فيها القطاع في الأشهر الأخيرة، تحديداً بعد تنحية مرسي عن الحكم.
وأضاف "يعتقد الاحتلال أن الحكومة تسيطر بنجاح على الحالة الأمنية في القطاع، مع استثناءات لبعض الخروقات التي تقوم بها بعض الفصائل الصغيرة عبر إطلاق صاروخ في فترات متباعدة، لكن أمر إطلاق النار عبر بندقية قنص ومن قبل شخص مدرب لا يدخل ضمن تلك الاستثناءات، وإن مثل هذا الأمر لا يتم إلا بمباركة حماس" وفق ما أورد المركز.
ربما يعتقد الاسرائيليون وفق استنتاجاتهم أن حركة حماس تريد الاستمرار في المحافظة على التهدئة، لكن مع عدم التسليم أو الاستسلام للردع الإرهابي الاحتلالي، وذلك عبر عمليات تكتيكية بين فترات متباعدة لا تؤدي إلى نسف التهدئة، وفي نفس الوقت تحافظ على سخونة جبهة الحدود وتفرض على الاحتلال التعايش مع أمر واقع يقوم على استنزاف تكتيكي محدود في ظل استمرار التهدئة.
هذه المعادلة يخشاها الاحتلال كثيراً، وهو ما تطلق عليه"تآكل حالة الردع" التي يعتقدون أنهم حققوا مستوى عال منها في حرب الأيام الثمانية، لذلك كانت الرسائل الأمنية والسياسية التهديدية التي أطلقتها قيادة دولة الاحتلال حملت مضامين إرهابية عالية، حتى ان بيرس انضم لجوقة المهددين.
حكومة نتنياهو على المستوى الائتلافي وعلى مستوى الظروف السياسية الإقليمية والدولية لا تريد شن حرب عدوانية واسعة على القطاع لأسباب كثيرة؛ في مقدمتها ما تمتلكه المقاومة من وسائل ردع صاروخي، كما ان جنرالات الاحتلال لا يستطيعون أن يضمنوا للمستوى السياسي انتصار واضح وحقيقي.
وتابع "علاوة على خوفهم من أن أي حرب ستحولهم الى مجرمي حرب، فتقرير غولدستون لازال ماثلاً أمامهم، وهم يدركون أن احراز أي تقدم عسكري سيكون مرهوناً بسفك دماء كثيرة من المدنيين، وهو أمر لا يمكنهم تجنبه فيظل الاكتظاظ الكبير لسكان القطاع".
هذا فضلاً عن أسباب كثيرة أخرى، لذلك فإن الاحتلال تتبنى سياسة مزدوجة تجاه القطاع، تقوم على تعزيز ردعها ورفع مستوى الإرهاب والتهديد على أمل أن يردع ذلك المقاومة، حتى لا يصل مستوى التدهور إلى مرحلة "إما يكشف فيها عجز الحكومة وجيشها عن ردع المقاومة وإما الدخول في حرب اضطرارية".
من جهة أخرى؛ فإن أكثر ما استفز جيش الاحتلال من عملية القنص أنها عملياً تعني في حال تكرارها فرض شريط حدودي شرقي السياج محرم على المستوطنين المدنيين التواجد به لأغراض الزراعة وغير ذلك دونما مرافقة واحتياطات أمنية، وهو يفرض تبادلية الأحزمة الحدودية المحرمة على جانبي الحدود بين الجيش والمقاومة.
التهدئة ستبقى صامدة طالما أن طرفي المتراس لا زالا يجدا في استمرارها مصلحة لهم، برغم اختراقها من وقت لآخر لأهداف تكتيكية من بينها تحسين وتعزيز كل طرف لقدراته في ردع الطرف الآخر، لكن سرعان ما سيبادر كل طرف بطريقته وأسلوبه لتطويق مثل هذه الاختراقات، إلى أن تتغير الظروف وتتبدل مصالح أي من أطرافالتهدئة، عندها لن تنجح أي محاولات التهدئة والتطويق.

