الرأي - الضفة المحتلة - محمد السنوار
تصادف اليوم الأحد، الذكرى الثامنة عشرة لاستشهاد المهندس الأول لكتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح المسلح لحركة حماس يحيى عياش، الذي قضى شهيداً بعد اغتياله بجهاز خلوي مفخخ بغزة.
وتحل الذكرى ؛ فيما لا زالت سيرته العطرة تملأ قلوب وعقول الفلسطينيين على اختلافهم الفكري وتواجدهم المكاني، حيث أن الكل الفلسطيني يشعر بفخر ومجد العياش الذي مرغ بالتراب أنف الاحتلال.
وتحققت أمنية العياش صاحب مقولة "بإمكان اليهود اقتلاع جسدي من فلسطين، غير أنني أريد أن أزرع في الشعب شيئاً لا يستطيعون اقتلاعه" فكان ما أراد، حيث انتشرت صور الشهيد عياش في منازل الفلسطينيين، وكأن روحه ما زالت تحلق وتضفي إحساساً ومشاعر مختلفة بعظم هذا الشهيد.
ولم تغب مشاهد تشييع جثمان يحيى عياش قبل 18 عاماً عن أذهان الفلسطينيين حين خرج أبناء قطاع غزة لتشيعه عن بكرة أبيهم، تعبيراً عن حبهم له لما أضفاه العياش بأنامله على المدرسة الجهادية وقدرته الفائقة في العمل العسكري.
مُطاردة للمحتلين
ويؤكد براء عياش الابن الأكبر ليحيى، أن عظمة الشهيد عياش تكمن في كونه تحول من مناضل يطارده الاحتلال إلى مناضل يُطارد الاحتلال بعملياته النوعية التي لم يألفها الاحتلال منذ انطلاق المقاومة الفلسطينية، والتي أوقعت مئات الصهاينة بين قتيل وجريح.
وبرغم مرور 18 عاما على فراق الشهيد يحيى؛ إلى أن بصمته الجهادية لازالت مستمرة عند المقاومة الفلسطينية، حيث يقول عياش الابن، إن ولده استطاع أن ينجز ما لم تنجزه الثورة الفلسطينية طيلة عشرات السنين، فقد استطاع ان يجعل قادة الاحتلال لا ينامون الليل.
وفي صور شتى اجتمع يحيى عياش مع أبرز قادة المقاومة الشهداء أمثال الشهيد احمد ياسين، والشهيد عبد العزيز الرنتيسي، والشهيد جمال منصور، وابو هنود واحمد الجعبري، وغيرهم من الشهداء القادة.
ميلاده وتعليمه
"يحيى عبد اللطيف عياش" نشأ في قرية "رافات" بين نابلس وقلقيلية لعائلة متدينة محافظة، حيث ولد في الثاني والعشرين من مارس من عام 1966، وكان يحيى معروفاً بذكائه الحاد وحفظه الدقيق، وكان معروفاً عنه الصمت والخجل والهدوء.
ولم يكن هدوءه وصمته إلا بركاناً يتفجر في وجه الصهاينة مدافعاً فيه عن عزة وكرامة فلسطين، مرسلاً رفات مئات القتلى اليهود بعملياته وتفجيراته تحت التراب فهو الكابوس الذي أقض مضاجعهم في كل مكان، حيث أتم حفظ القرآن الكريم كاملاً في سنٍ باكر.
واصل يحيي دراسته الإعدادية والثانوية وحصل على معدل 92.8% في الثانوية العامة يلتحق بجامعة بيرزيت قسم الهندسة الكهربائية "الإلكترونيات"، وقد كان خلال دراسته أحد نشطاء "الكتلة الإسلامية".
بعد تخرجه من تخصص الهندسة الكهربائية من جامعة بيرزيت تزوج من ابنة عمه عام 1993 ورزقه الله ولده البكر "البراء" فيما رزق بولده "يحيى" بتاريخ 24/12/1995م.
عمله الجهادي
ولمّا انطلقت شرارة الانتفاضــة الأولى عام 1987 بعث "يحيى" برسالة إلى قادة كتائب القسام يوضح لهم فيها خطة لمجاهدة اليهود عبر العمليات الاستشهادية، حيث أصبحت مهمته _فيما بعد_ إعداد السيارات المفخخة والعبوات شديدة الانفجار.
وعمل الشهيد القائد يحيى عياش على نقل المواجهة مع الاحتلال إلى داخل المناطق الآمنة التي يدّعي الاحتلال سيطرته عليها بالكامل، وبدأ خطة الموت التي أعدها لهم في كل مكان.
وتواصلت عشرات العمليات التي قادها يحيى عياش وسقط فيها ما يزيد عن 100 صهيوني طوال الفترة التي كان مسئولاً فيها عن السيارات المفخخة والاستشهاديين.
وكان من أبرزها وأكبرها عملية "بيت ليد" قرب "أم خالد" عام 1995، حين أرسل استشهاديان فجرا نفسهما في مركز عسكري أدى لمصرع 23 صهيونياً وإصابة 40 آخرين، وقال الاحتلال إنها الأقوى من نوعها.
مرحلة المطاردة
سطع نجم يحيي عياش في العام 1993 بعد أن اكتشفت أجهزة الأمن الصهيونية أنه مهندس العبوات الناسفة والسيارات المفخخة، فشرعت بحملة مراقبة حثيثة ومداهمات يومية لبلدته ومنازل أقاربه وأصدقائه واعتقل والده وإخوانه لكنهم لم ينجحوا في اعتقاله.
وخلال اشتداد الملاحقة له قرر الانتقال من الضفة المحتلة إلى قطاع غزة للتمويه على نفسه ومساعدة إخوانه في كتائب القسام بصناعة المتفجرات.
موعد مع الشهادة
كان يحيي على موعد مع الشهادة بعد عمل جهادي مشرف كلله بلقاء ربه شهيداً، فاغتيل في يوم الجمعة الخامس من كانون الثاني "يناير" 1995م، وذلك بعد أربع سنوات من وضع رئيس وزراء الاحتلال "اسحق رابين" ملف تصفية القائد القسامي على رأس أولويات حكومته السياسية والأمنية.
ووضع الشاباك ليحيي عياش مادة متفجرة وصلت إلى "50 جم" في تليفون محمول أخذه من صديقه أسامة، وأسامة أخذ التليفون من خاله وهو الوحيد الذي كان يعلم بأمر اختباء عياش، حيث انفجر فيه حينما كان يهاتف والده.
وبذلك يبقى العياش عنواناً للتضحية والمقاومة التي يواصلها أحفاده حتى اليوم، مقتفين فيها أثره حيث هو صاحب البصمة الأولي والمهندس الأول.

