وكالة الرأي الفلسطينية بيان (1062) الإعلام الحكومي: الاحتلال "الإسرائيلي" ارتكب 377 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار خلال شهر أبريل أسفرت عن 111 شهيداً و376 مصاباً، وسط إخلال جسيم ببنود الاتفاق واستمرار تعطيل إدخال المساعدات الإنسانية وكالة الرأي الفلسطينية بيان صادر عن سلطة الطاقة والموارد الطبيعية: سلطة الطاقة تعلن تسعيرة الكهرباء من المولدات التجارية وتؤكد إجراءات السلامة والتزام المزودين وكالة الرأي الفلسطينية بيان (1061) الإعلام الحكومي: بمشاركة 500 موظف حكومي: انتخابات بلدية دير البلح نموذج لتعزيز الديمقراطية وتطوير الحكم المحلي وترسيخ المشاركة المجتمعية وكالة الرأي الفلسطينية بيان (1060) الإعلام الحكومي: مواصلة التصدي الحازم للاحتكار والسوق السوداء وضبط الأسعار وفق التسعيرة الرسمية وندعو المواطنين للتعاون في حماية المستهلك وصون الأمن الاقتصادي وكالة الرأي الفلسطينية بيان (1059) الإعلام الحكومي: يوم الأسير الفلسطيني: أكثر من 9,600 أسير في سجون الاحتلال بينهم نساء وأطفال وسط تصاعد الانتهاكات الممنهجة وغياب المساءلة الدولية وكالة الرأي الفلسطينية بيان (1058) الإعلام الحكومي: تصريحات نائب الرئيس الأمريكي فانس بشأن المساعدات إلى قطاع غزة غير صحيحة وتحمل تضليلاً للواقع وتجاهلاً للكارثة الإنسانية المتفاقمة وكالة الرأي الفلسطينية بيان (1057) الإعلام الحكومي: تفنيد ادعاءات نيكولاي ملادينوف حول عدد الشاحنات التي دخلت غزة.. الأرقام الحقيقية تكشف تضليلاً واضحاً ومسؤوليات غائبة وكالة الرأي الفلسطينية الدمام كما لم تعرفها من قبل: دليلك لاكتشاف أجمل المعالم السياحية وكالة الرأي الفلسطينية بيان (875) المكتب الإعلامي الحكومي: العثور على أقراص مُخدّرة داخل أكياس الطحين القادمة من مصائد الموت "مراكز المساعدات الأمريكية-الإسرائيلية" جريمة بشعة تستهدف صحة المدنيين والنسيج المجتمعي وكالة الرأي الفلسطينية مسؤول أممي سابق: "مؤسسة المساعدات الأمريكية" يديرها مرتزقة
أخبار » مقالات

الغلو والتشدد في الدين

14 آيار / سبتمبر 2009 10:30

الدكتور سلمان الداية

الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:-

فإن الله تبارك وتعالى أنزل كتابه قيماً غير ذي عوج :"قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ "، وقال سبحانه وتعالى:"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا "، وقال سبحانه:"إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا "، وقال تعالى :"وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ".

والنبي صلى الله عليه وسلم أكد هذه النعوت المباركة عن كتاب الله عز وجل فجاء في حديث أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"أليس تشهدون أن لا إله إلا الله أني رسول الله؟"قالوا: بلى نشهد، فقال :"أبشروا ابشروا أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قالوا نعم . قال فإن هذا القرآن سبب – حبل - طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا"السلسلة الصحيحة للألباني (2/330).

والسنة شقيقة القرآن، فإنها خرجت والقرآن من مشكاة واحدة، قال صلى الله عليه وسلم في جزء الحديث"إني أوتيت القرآن ومثله معه"، فأكثر النعوت التي وردت بحق القرآن فإنها تنسحب على السنة النبوية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتكلم بأمر نفسه وإنما كان يتكلم بوحي ربه :"وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ".

وقال صلى الله عليه وسلم:"أنا لا أقول وإنما أُقوَّل (أي يُقَوّلني الله تبارك وتعالى)"، وجاء في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب حديثه الذي يسمعه منه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق"وأشار بسبابته إلى فِيه. رواه أبو داود وصححه الألباني.

فإذا كان القرآن الكريم والسنة النبوية بريئين من الزيغة والضلالة، والنقص والهنَّة، وكلاهما قّيم بريء من العوج، ثم يتأيد هذا المعطى بمعطى آخر وهو أن الله جل وعلى أقام أحكام شريعته على السهولة واليسر، لا على المشقة والحرج، قال سبحانه وتعالى:"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "، وقال جل وعلا :( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ".

وقال سبحانه وتعالى :"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ".

والسنة أيضاً أكّدت هذا السبيل، سبيل الفواقة والكمال، سبيل الوسط والاعتدال، جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:"بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا"، وجاء في الصحيحين أيضاً من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت :" ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه".

أيها الأعزاء الكرام إذا كان القرآن والسنة بريئين من الغلو والشطط، ومن الإفراط والتفريط، والله تبارك وتعالى قد أقام أحكام شريعته على اليسر والسهولة، هذا يعني أن الذي يغالي ويبالغ ويتشدد ليس ينتمي إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الانتماء اللائق، والانتماء الراشد والواعي، وذلك لِما أسلفنا وقدمنا من معطيات، ومنها أن القرآن بريء من الغلو، أنه بريء من الزيغة والضلالة وكذا السنة، وأن أحكام الشريعة مضت في تقرير السهولة واليسر، هذا يعني أن المغالي لم يستمد بضاعته من الفهم الصحيح الصائب الذي أرشدت إليه نصوص الكتاب ونصوص من أُنزل عليه الكتاب.

قال جل وعلا :"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ "، مخطئٌ من يظن أن الوسط الذي أراده الله جل وعلا هو الذي يكون بين الكمال والعدم، ليس الأمر كذلك، فالوسط الذي أراد الله جل وعلا من الآية ومن غيرها هي الكمال والتمام، وهذا يعني أن رسالة القرآن والسنة هي رسالة الكمال، وأن الذي يبالغ ويتجاوز بغلوه وتشدده فإنه انصرف إلى النقيصة والذم، لأنه ليس بعد الكمال كمال، ولا بعد التمام تمام، وكذلك الذي يقعد يضيع ويفرط بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى عليه وسلم فإنه سلك سبيل الذم والنقيصة، لأنه أهمل الوحي وجعله ورائه ظهريا، ولذلك كان الغلو الآفة الأخطر التي تَهُدُّ كيان الأمة المسلمة هداً، وليس هذا زعماً بل هو ما أرشد إليه القرآن، وما أرشد إليه النبي العدنان عليه الصلاة والسلام، قال تعالي :"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ "، والله جل وعلا بعبارة الآية ينهى عباده من أهل الكتاب، ولسنا بخارجين عن عموم السياق، ينهاهم عن الغلو والشطط وعن المبالغة الذي انفكت عن دليلها الميمون المبارك، والنبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال :" هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون".

عندنا في علم أصول الفقه قاعدة أصولية تحكي"ترتب الحكم على المشتق يؤذن بِعِلِّيّةِ ما منه الاشتقاق"، فمثلاً يقول ربنا الله عز وجل :"الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ"، الزانية والزاني كلاهما اسم فاعل وكلاهما مشتق من أم الاشتقاق وهو المصدر (الزنا) حفظنا الله وإياكم من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والله جل وعلا ذكر عقيبة الزنا الجلد والجلد حكم وهذا يعني أن مناط الجلد وعلته وسببه هو الزنا، ترتب الحكم وهو الجلد على المشتق وهو اسم الفاعل يؤذن بأن أم الاشتقاق هي العلة وهو الزنا.

وكذلك يقول تعالى : "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا".، فالقطع حكم انبنى على مشتق وهو اسم الفاعل لتكون علة إقامة حد القطع هي السرقة.

أعود إلى الحديث :" هلك المتنطعون"، الهلاك هنا حكم لأنه عقوبة، وقد جاء عقيب التنطع ليتقرر هنا أن التنطع هو علة وسبب الهلاك وهو مناطه، وهذا يعني أنه ما حصل الهلاك إلا بسبب هو التنطع، وبعلة التنطع، ثم هناك نقطة أخرى أيها الأعزاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم كرر الجملة الفعلية ثلاثاً (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون)، ولم يكن ليكررها ثلاث مرات إلا لأن الأمر جلل ولأنه بنور نبوءته وبصيرته علم أن الأمة ستجنح في أمصارها وفي أزمانها المتباعدة إلى الغلو والتنطع ولذلك خشي على الأمة الهلكة من هذا، فذهب يبين لهم أن سبب الهلاك الرئيسي هو التنطع ثم ذكر ذلك ثلاثاً حتى يرقى هذا على اهتمام لائق به في صدور الأمة رجالا ونساء، وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" رواه ابن ماجه وصححه الألباني، إياكم أسلوب تحذير وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأمته: الحذر الحذر من الجنوح والتطلع إلى الغلو، فإن الغلو هو السبب الأوحد الذي هدم الأمم من قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، (إياكم والغلو في الدين) ثم قال:"إنما من كان قبلكم" إنما أداة حصر فهي تحصر الحكم على وصفه، وهذا يعني أنه ما هلكت الأمم قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب قط إلا بالغلو، من أجل أن تنتبه إليه القلوب والعقول فتحذره وتجتهد في أن تكون في منأى وفي سلامة وعافية منه.

وكذلك فإن السنة حافلة بالأدلة التي تنفي الغلو وتحذر منه حتى ولو كانت في جانب العبادة التي أمرنا بها ربنا جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم أمر إيجاب أو أمر ندب، فإن الغلو والتنطع في العبادة مذموم كله، فمثلاً جاء في الغلو في الصلاة وهي أشرف العبادات بعد التوحيد، عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي امرأة فقال :"من هذه؟ "، فقالت رضي الله عنها:"امرأة لا تنام تصلي "، سبحان الله فإني أفهم من هذا أن أم المؤمنين عائشة كانت معجبة بهذه المرأة بدليل أنه لما سألها النبي صلى الله عليه وسلم من تكون هذه المرأة؟ حادت عن الإجابة المعهودة في الأذهان وهي فلانة بنت فلانة من عشيرة كذا أو من بطن كذا، ضربت صفحاً عن هذا ثم ذكرت الصفة التي أدهشتها ونالت إعجابها فقالت : امرأة لا تنام تصلي، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو الأكمل من الرجال والأعلم بأحكام شريعة الرحمن من الناس علم أنها مخطئة، وأنها قدمت نافلة في سبيل تفويت وتضييع واجب حتم ولازم، فقال صلى الله عليه وسلم بفصيح لسانه :" اكلفوا من الأعمال ما تطيقون"، بمعنى تحملوا من الأعمال التي تطيقونها من غير أن تشددوا على أنفسكم فيعييكم ذلك.

"أكلفوا من الأعمال ما تطيقون فوا الله لا يمل الله حتى تملوا"، وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد إذا عبد الواحد منا ربه أن يعبده بهمة عالية وبحب وإقبال على العبادة وهذا لا يتأتى ولا يدرك إلا أن يأخذ الإنسان العبادة بسبيل الوسط لا يملأ بها وقته لأنه إذا ملأ وقته بالعبادة فإن النفس تمل العبادة وإذا ملّتها لم يكن المرء والحالة هذه مُعظِّمًا لربه تعالى، أيليق أن يمل الإنسان نفسه من عبادة الله؟ فإن هذا كأنه يَردّ على الله تعالى عبادته التي ما شرعها إلا لنجاح مصالحنا في الدنيا والآخرة.

وكذلك جاء في صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم في شأن الغلو في الصيام عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال :" صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فخطب الناس فانفتل ناحية اليمين فرأى رجلا قائما في الشمس فقال من هذا قالوا هذا أبو إسرائيل- رجل يكنى بأبو إسرائيل- نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. هذا الصحابي ظن أن العبادة كلما ملأت بالمشاق فإن صاحبها ينال أجرا أعظم عند الله تعالى، فأراد أن يشق على نفسه وهو صائم فنذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل وأن يستمر صائماً فقال صلى الله عليه وسلم يرد عليه استحادثه وابتداعه المشاق على نفسه التي لم يأذن بها الله تعالى ولا رسوله "مروه أن يقعد ويستظل ويتكلم ويتم صومه"ن فنهاه عما استحدثه من عند نفسه ولم يأمره إلا بما شرعه ربه تبارك وتعالى.

وفي سنن النسائي والحديث صححه الألباني عن جابر رضي الله عنهما قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى نفراً من الناس مجتمعين على رجل فقال ما هذا قالوا رجل صائم – يعني صائم صيام نافلة في السفر فمع الشدائد والمشاق وشدة الظمأ والمخمصة كأنها انهارت وخارت قواه فأخذه الغشي فاكتنفه أصحابه يمدوه بالمدد والغوث فالنبي صلى الله عليه وسلم أنكر على هذا الذي شدد على نفسه والله تبارك وتعالى جعل لصيام الفريضة رخصة في السفر فقال تعالي : "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ"، وذلك قال صلى الله عليه وسلم :" ليس من البر الصيام في السفر"، أي ليس من الأعمال الصالحة أن يتنفل الإنسان في السفر.

كذلك في الصدقة الغلو فيها مذموم قال جل وعلا : "وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً..".، مغلولة إلى عنقك شحًا وبخلاً ولا تبسطها كل البسط جوداً وسخاءً بإفراط، والأحاديث في ذلك كثيرة، فحسبنا أن نذكر حديث جابر رضي الله عنهما قال: أعتق رجلٌ منا (من قومنا) عبداً له عند دبر "، رجل فقير ليس له إلا غلام والغلام هنا يسعفه في قضاء الحوائج في حياة بدائية فإنه يجمع الحطب ويطحن الشعير وإنه يأتي بالماء إلى غير ذلك من هذه الأمور، فهذا الرجل راح يعتق غلامه عن دبر، أي يقول له: أنت حر بعد موتي، والدبر في اللغة آخر أجزاء الشيء، أو هو مما يلي الشيء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" ألك مال غيره؟"، تأملوا هذا الوسط ألك مال غير قال: لا، فعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغلام فباعه بثمانمائة درهم ثم دفعها إليه وقال له:"تصدق بها على نفسك أولاً، فإن فضل منها شيء فعلى أهلك، فإن فضل منها شيء فعلى ذي قرابتك، فإن فضل منها شيء فقل به هكذا وهكذا (على اليمين والشمال)" رواه أبو داود وصححه الألباني.

فلا يستقيم أيها الأعزاء الكرام أن يتصدق الإنسان بما عنده ثم يتكفف الناس، ولذلك جاء في الصحيحين عن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه قال :"مرضت وأنا في مكة فجاءني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني من مرض اشتد بي وليس بي إلا كلالة (قرابة من الناس ضعيفة ولم يكن سعد وقتها أنجب الذكران) فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أتصدق بكل مالي (تأملوا الوسط والجمال) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا قال فبشطره (أي بنصفه) قال لا قال فبثلثه قال الثلث والثلث كثير، لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".

وكذلك بيّن أن الغلو كما كان في الصلاة والصدقة والصوم يكون في الحج، ففي سنن أبي داود والحديث صححه الألباني عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال :" نذرت أخت لي أن تحج ماشية"، تأملوا إخواني أليس للأمة في رسول الله الأسوة الحسنة وما حج واعتمر إلا راكبا بل ثبت عنه أنه طاف حول البيت راكبا بل ثبت عنه أنه سعى بين الصفا والمروة راكبا، فهي الأخت الفاضلة تظن أنه بالإعياء والتعب والمشاق من غير دليل تنال الأجر الأكبر فنذرت أن تحج ماشية ومعلوم أن بنية المرأة ضعيفة لا تطيق هذا، فقال صلى الله عليه وسلم :" مرها أن تكرب وتمشي"، يعني تركب أحيانا وتمشي أحيانا وما قال لها ذلك إلا لأنها نذرت فمن نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه. ( لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم).

وكذلك جاء في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً طاعناً (شيخ كبير) نذر أن يحج ماشيا فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتهادى على أكتاف بنيه فقال :" ما شأنه، قالوا نذر أن يمشي يا رسول الله".

هذا الرجل مع ضعفه نذر أن يأتي البيت الحرام ماشيا وهو محمول على الأكتاف فقال صلى الله عليه وسلم وتأملوا ما قال صلى الله عليه وسلم :"إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه "، سمى ما عزم عليه ونذر به تعذيبا فإن كان الغلو ممجوجا في العبادة فلأن يكون في العادة من باب أولى ويكون قبيحا في العادة أولى.

ثورة الشباب وحرصهم على طاعة الله عز وجل والرغبة والثورة الغير مهدهدة والغير مهذبة بعمق الفهم ورشادته تجعل الإنسان يزيع عن الهدى وعن الوسطية أعني عن الكمال.

لذلك تأملوا عثمان ابن مظعون وعبد الله ابن مسعود وعلي وأبي بكر وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه أجمعين رأوا بان الزوجات تشغلهم عن عبادة الرحمن سبحانه وتعالى فأرادوا الاختصاء فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم فسارع إلى دار عثمان فقال أثُمَّ عثمان؟ قالوا لا قال فإذا جاء فليلقي فلما جاء قالت له زوجه الحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا عثمان أرغبت عن سنتي قال بل سنتك أطلب يا رسول الله قال فإني أصوم وأفطر وأقول وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"، يعني أنه ليس على هديي وطريقتي. رواه أبو داود وصححه الألباني.

أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الوسط الذي هو المال والتمام وان يحفظنا من الغلو وأن يحفظنا من التفريط والتضييع إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على محمد.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟