تونس ( ثورة الياسمين) ، بحسب المصطلح الغربي ، تحتفل بالتوافق الوطني على دستور الثورة. الثورة في تونس تسير الى الأمام في تلبية مطالب الثائرين، وبناء حياة ديمقراطية حقيقية.
حين تذكر الثورة التونسية ، تذكر الثورة المصرية في ٢٥ يناير ٢٠١١ التي عرفت في الغرب (بثورة البردى). لست بصدد التعليق على هذه التسميات الغربية، لأنها في نظري لا تتمتع بالدقة والعلمية، ولكنها تحاكي لذة الأسماء، دون المسميات.
لقد استمتعنا بالثورتين عند نجاحهما في إسقاط حكم الفرد، والاستبداد، والطغيان، ولعلنا في فلسطين كنا أكثر استمتاعا بالثورة المصرية، وأكثر متابعة لتفاصيلها اليومية لأسباب عديدة لا تخفى على المهتمين. ولكن فرحة الشعوب، كفرحة الأفراد قد لا تتم لسبب أو لآخر، لذا يستحسن كما في العادات والأعراف الدعاء بتمام الفرحة،( ربنا يتمم فرحتهكم).
فرح الياسمين بتونس، وحزن البردى في مصر. في مصر يقولون ( يا فرحة ما كملتش؟)، و( وجات الحزينة تفرح ما لاقيتش ليها مطرح؟!)، لأن الثورة المضادة افترست الثورة، واقتلعت ( البردى) من جذوره، وسمت ثورة ٢٥ يناير ( بالنكسة، وبالوكسة، وبلعب العيال ؟!)، بينما لازال الياسمين في تونس ينمو، ومازال التونسيون يحترمون ثورتهم.
بعض الأقلام التي وازنت بين الثورتين في المآلات المنظورة أرجعت نجاح الياسمين في تونس إلى الحصافة والمرونة السياسية لحركة النهضة، وإلى نضج الأحزاب التونسية، وإلى الثقافة والتعليم، وإلى الانفتاح الحضاري على الديمقراطية الغربية في فرنسا وغيرها، وهذه في نظري اعتبارات موضوعية معتبرة في التحليل، ولكنها غير كافية، للإجابة على سؤال نمو الياسمين، وذبول البردى واقتلاعه من أصوله بشراسة غير مسبوقة في مصر.
تونس ليست مصر. مصر هي مركز الثقل في العالم العربي لأسباب عديدة، ومصر دولة جوار لفلسطين المحتلة، ومصر ترتبط باتفاقية ( كامب ديفيد) مع اسرائيل، ومصر ممر حيوى للمقاومة في فلسطين. ومن ثمة فإن الاهتمام الدولي بمتغيرات الحالة المصرية يفوق الخيال، ولا تحظى بمثله الحالة التونسية.
ثم إن في مصر جيشا تعود على الحكم، والتفرد بقيادة مصر الحديثة على مدى ستين عاما، ويمتلك نصف الاقتصاد المصري، ويعمل بالسياسة والتجارة والصناعة، والإعلام ، ويتمسك بحق يدعيه لنفسه بالحكم، وهي حالة لا يمتلكها الجيش التونسي ولا يدعيها، وحين طلبت جبهة الإنقاذ التونسية من الجيش التدخل ضد حكم النهضة ، رفض الجيش هذا الطلب.
الجيش في مصر اقتلع البردى لا لأن الاخوان هم الذين يتعهدونه بالنماء، بل لأنه لا يقبل لا الاخوان ولا غيرهم في الحكم، إذ يشعر الجيش أنه هو الوريث الأحق بالدولة والحكم ، ولو رجعت الى ما قبل الانتخابات الرئاسية بأسابيع وجدتهم يساومون الأخوان للقبول بمرشح من الجيش، وترك المنافسة على الرئاسة.
لو لم يكن في مصر جيش يطمع في السلطة، لما نجحت جبهة الإنقاذ وتمرد في اسقاط محمد مرسي، ولتمكن مرسي والقيادات المدنية والحزبية من التوصل إلى توافق وطني قريب مما وصلت اليه تونس. الفارق بين الثورتين هو الجيش، والعقيدة التي يحملها قادة الجيش، وما بعد الجيش مكملات حالة لا أصل.

