من المعلوم أن البيئة الاستراتيجية للكيان الاسرئيلي هشة وتفتقر إلى عناصر القوة القادرة على الصمود والبقاء، وترجع الهشاشة إلى عوامل عديدة، بعضها بنيوي في المجتمع نفسه، وفي قيام الكيان على الاحتلال، وبعضها جغرافي و ديمغرافي معادي، وبعضها تقني تكنولوجي، يسلب منها الضمانة النووية، والتفوق العسكري، وغير ذلك مما فصله الخبراء، ولا نود الإفاضة فيه، لأن لنا غرضا آخر، هو مقاربة بعض التصريحات الإسرائيلية التي أشارت الي(البيئة الاستراتيجية ) من خلال المتغيرات الإقليمية التي ضربت الربيع العربي.
يقول بروفيسور ( إفرايم كام) نأئب رئيس مركز أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، في ورقة بحثية :
( إن العوائد الإيجابية على اسرائيل من الإجراءات العقابية الكبيرة التي نفذتها السلطات المصرية ضد حماس، وأهمها تدمير الأنفاق ، أنها حسنت البيئة الاستراتيجية ( لإسرائيل). وقال الجنرال المتقاعد شلومو بروم، وبروفيسور شفيتسر في ورقتهما: إن السلطات المصرية الحاكمة الآن في مصر تحاول إضعاف التأييد الجماهيري لجماعة الإخوان من خلال شيطنة حماس،...).
إن ضعف البيئة الاستراتيجية لدولة الاحتلال، لا يمكن التغلب عليها أو تعويضها بالتفوق العسكري وحده، لأن القوة العسكرية عنصر من عناصر البيئة الاستراتيجية وليس كل البيئة، ولكن يمكن التغلب على الضعف بشكل أفضل من خلال احتواء البيئة العربية المحيطة، وتطبيع العلاقات معها، وتجنيدها لحماية حدودها، لإخضاع المقاومة والشعب الفلسطيني للقبول بالأمر الواقع، والتعايش مع ( اسرائيل )لاعبا أساسيا في المنطقة.
أن قوة البيئة الاستراتيجية وضعفها في دولة الاحتلال يرتبط جدليا بمواقف البيئة العربية المحيطة، والسياسة الإسرائيلية تقوم على اختراق هذه البيئات ودعم الأنظمة المعادية للتيارات الأسلامية، باعتبار التيارات الإسلامية خطرا استراتيجيا، وأيديولوجيا.
لقد قرأت دولة الاحتلال الخطر الاستراتيجي في حماس كحركة تحرر وطني إسلامية الفكرة والمرجع، وقرأته في ثورات الربيع العربي، وبالذات في الثورة المصرية، وكان وجود الأخوان في سدة الحكم في مصر بمثابة الكابوس المؤرق لها، لذا وجدتها الدولة الأكثر فرحا وطربا بسقوط حكم الاخوان في مصر.
إن ما تقوله الأوراق البحثية آنفة الذكر عن تحسن البيئة الاستراتيجية أمر حقيقي لا يقبل النقاش، وهو تحسن لا توفره الأسلحة النووية أو التقليدية، إذ بات الإخوان وحماس هما العدو الأول للسلطات في مصر، وباتت ( اسرائيل) دولة أقرب، وأكثر دفئا لعديد من الأنظمة العربية.
اسرائيل قتلتنا ، نحن الفلسطينيين، بيدها أحيانا وبأيد عربية في أكثر من محطة تاريخية، و ما زالت هذه المطات محفورة في ذاكرة الأجيال، واستطاعت أن تحسن بيئتها الاستراتيجية منذ نشأتها بأيد عربية، وهي تخطط لتكون لاعبا أساسيا في المنطقة من خلال الأيدي العربية الناعمة والعسكرية أيضاً، بعد أن صنعت للأنظمة العربية أعداء غيرها. اسرائيل لم تعد العدو الأول في عديد من العواصم العربية المحترمة. وجل ما يصدر عن العواصم من تشريعات، وإعلام، هو ضد عدو داخلي مصطنع، بأيد ليست عربية.

