اردوغان من أعرف رؤساء العالم بالسياسة الخارجية لدولة الاحتلال الإسرائيلي. وهو أعرف الأتراك بالمزاج التركي العام، ويقرأ جيدا توجهات الرأي العام التركي. أردوغان الذي خاضت حكومته مفاوضات معمقة مع مبعوثي نيتنياهو لتسوية ملف سفينة ( مرمرة) ، حيث عرض مبعوثو نيتنياهو ( ٢٠) مليون دولارا تعويضا لضحايا الهجوم غير المسئول على مرمرة، طالب مؤخراً برفع الحصار عن غزة لإتمام التسوية، وتطبيع العلاقات مع اسرائيل.
في تل أبيب رفض كامل لمطلب رفع الحصار عن غزة، هذا الرفض يعيق التسوية وتطبيع العلاقات، ومن ثمة فمن المرجح بقاء العلاقات بين الطرفين على ما هي عليه من برود وفتور. من المؤكد أن تل أبيب متعجلة التسوية لأن العديد من مصالحها الاقتصادية والأمنية متضررة، ولكن الطرف التركي ليس متعجلا التطبيع، ويتهم تل أبيب بالتدخل في الشأن الداخلي التركي، وبدعم المعارضة التركية، وربما بدعم الأكراد ضد الدولة.
حصار تل أبيب لغزة يمثل نقطة ضعف في السياسة الخارجية لحكومة نيتنياهو، لأن الحصار عقاب جماعي للسكان، وحين يطالب اردوغان برفع الحصار عن غزة ، فإنه يضغط على اليد الضعيفة لحكومة نيتنياهو التي تتدخل في الشأن التركي الداخلي.
قد لا تستجيب حكومة نيتنياهو لمطلب اردوغان، وربما تعلم تركيا هذه النتيجة مسبقا، ولكن الضغط على حكومة نيتنياهو من خلال ورقة غزة ينزع الشرعية الأخلاقية عن تل أبيب، ويجعلها دائماً في موقف الدفاع، وقد تأتي النتائج بكف يد تل أبيب عن التدخل في الشأن التركي.
ورقة الحصار ورقة حساسة في السياسة الدولية، التي تحاول أن تكون سياسة أخلاقية، ومن ثمة لم تحتمل الكنيست سماع انتقادات ( مارتين شولتس) رئيس البرلمان الأوربي ،لها في مسألتي الحصار، والظلم في توزيع المياه على الفلسطينين، لدرجة أدت إلى انسحاب نفتالي بنيت وأعضاء حزبه من جلسة الكنيست غضبا واحتجاجا على انتقادات شولتس، رغم أنه كان ودودا مع اسرائيل، وكال لقادتها المديح تلو المديح.
الحصار نقطة ضعف حقيقية في عالم يقوم على العولمة والتجارة العالمية الحرة، ولكن أسرائيل مرتاحة للحصار، لأنها لا تجد أصواتا قوية تنتقد سياستها، وتنزع عنها الشرعية، لذا تجدها شديدة الغضب حين يأتيها الانتقاد من رجل عالمي كادرغان، أو مارتين شولتس، حيث لا تملك تل أبيب ردا مقنعا على انتقاد الكبار.
إن مشكلة حصار غزة طالت وعطلت مصالح العباد والبلاد بشكل فردي وجماعي، والسبب في الإطالة هو غياب الصوت العربي القوي، وغياب الرجولة العربية ، ومشاركة بعض الأنظمة العربية في الحصار، وعدم مبالاة الآخرين به. إن صوت القائد اردوغان في هذه الحالة في غاية الأهمية، وقراره بطلب رفع الحصار عن غزة في التسوية قرار في غاية الذكاء، ولا يجدر النظر له من زاوية الواقع، واستجابة تل أبيب من عدمها، بل يجدر أن ننظر إليه من خلال سياق سياسي عام وشامل، لكي نفهمه فهما جيدا.

