نجد عبارة المسؤولية المجتمعية في الكثير من التقارير الادارية للشركات الكبرى، ونجدها أيضا في الكثير من أقوال أصحاب تلك الشركات كجزء من مساهمة الشركة في تطوير المجتمع، بل ربما يصل الحال الى تباهي الشركات بمقدار هذه المسؤولية ونوعيتها وهو بلا شك تباهي محمود.
تختلف المسؤولية المجتمعية بين شركة وأخرى، وبين شكل وآخر، فلا يوجد نمط معين لتلك المسؤولية، فبعض الشركات تعتبر أن المسؤولية المجتمعية هو بتخصيص مبلغ مالي من موازنة كل عام كمنحة للطلاب الجامعيين، وبعضهم يعتبرها كرواتب لموظفي التشغيل المؤقت، وبعضهم برعاية حدث أو برنامج اذاعي او تلفزيوني وهكذا تتعدد الصور والمسؤولية واحدة. وفي واقعنا الفلسطيني نحتاج الى أن تصبح المسؤولية المجتمعية لتبني مبادرات افكار المشاريع الريادية، وتشغيل الايدي العاملة في مشاريع مدرّة للدخل خاصة بهم، وأن تكون تلك المسؤولية لتبني المواهب، ولبناء المدارس والمعاهد، ولتطوير المناهج وللمساهمة في تشجيع مشاريع القراءة وما الى ذلك من حاجة مجتمعنا الفلسطيني.
في حديثي هنا لن أتحدث عن المسؤولية المجتمعية للشركات فجميعنا يعلم أنه جزء لا يتجزأ من طبيعة عمل الشركة، ولكني هنا سأتحدث عن “المسؤولية المجتمعية للأفراد!!” فجميعنا يعلم عن المسؤولية المجتمعية ويقرنها دائما بالشركات، وينسى أنه جزء من هذه المسؤولية، وأنه كفرد عليه من المسؤولية تجاه مجتمعه ما يجعله ينشط في ذلك وأوجه هذا النشاط مختلفة ومتعددة وكثيرة لمن فهم وعرف معنى المسؤولية المجتمعية.
ألم نسمع بقول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ (خيركم من تعلم القرآن وعلّمه) وهنا الشاهد في (وعلّمه) ، ألم نسمع أيضا قوله (وَمَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّ اللَّهَ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَادَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ). ما الذي يمنع من تخصيص الفرد منا جزء من وقته الاسبوعي في عمل مجتمعي يساهم فيه بشيء ولو بسيط، كأن يكون جزء من مبادرة تعنى بجانب معين في المجتمع، أو أن يسخر علمه مثلا لتعليمه لغيره ببضع ساعات من الاسبوع، أو أن يكون جزء من مشروع يّعنى بتطوير جانب من جوانب المجتمع كالتعليم او الصحة مثلا؟
لماذا نعاني من الروتين _ولا استثني نفسي_ ونحن نملك قرار ان نجعل من وقتنا جزء لغيرنا، فنُدخل على أنفسنا السعادة أولا ثم نعطيها للآخرين!! ولماذا يشعر الموظف بالروتين اليومي وبيده قرار أن يغيّر هذا الروتين!!! ألم تشعر في يوم وأنت تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي بالغصّة في قلبك وأنت تنظر إلى صور وفيديوهات شباب وشابات مثلك ومثلي وهم في أوج سعادتهم وهم ينفذون أحد المهام التطوعية في جانب معين!؟ ألم تشعر حينها بالألم بأنك لست جزءا منهم؟ ألم تُحدث نفسك بقولك “وأين أنا من هذا!؟
إن المسؤولية المجتمعية التي تقع على الأفراد ليست منّة على المجتمع، بل هي مسؤولية واجبة على كل فرد في المجتمع بما يستطيع وبما يملك من مهارات، بل هي أساس بناء مجتمعات سليمة وقوية ومتماسكة يشعر الفرد فيها بمعاناة غيره، ويساعد فيها الفرد غيره. هي القدرة على العطاء دون انتظار الثناء، بل هي القدرة على الخروج من حب الذات الى حب الآخرين لنرقى معا في مجتمع يليق بنا.

