لا فرق جوهري بين أميركا وروسيا في تناول الملف المصري. الطرفان يكرهان الإخوان ويعملان ضد التيارات الإسلامية في مصر والعالم. كراهية الطرفان للتيارات الإسلامية كراهية مبدأ لا موقف.
وكلاهما يحرص على أمن ( اسرائيل) ، ويحمي مصالحها عن مبدأ لا عن موقف سياسي. الفرق بين روسيا وأميركا في ملفات فلسطين ومصر والربيع العربي ضئيلة، و يمكن قراءتها فقط من خلال ( الميكروسكوب ).
في الأيام الماضية زار وزير الدفاع المصري روسيا، وقد حفلت الزيارة بتغطية إعلامية واسعة في مصر، واللافت للنظر أن وسائل الإعلام قدمتها على أنها زيارة تحدي للبيت الأبيض بواشنطن. وهنا يأتي سؤال الحقيقة، هل كانت الزيارة زيارة تحدي، أم كانت بإذن من البيت الأبيض نفسه؟!
مؤيدي وزير الدفاع يصرّون على أنها تحدي للبيت الأبيض، وأنها رد مصري على وقف واشنطن توريد بعض أنواع السلاح لمصر. ولكن هذا التحليل لا يصمد كثير أمام منتقديه من خصوم وزير الدفاع، ذلك لأن الاتصال الحميم الساخن والمباشر بين السيسي وهاغل وزير الدفاع الأميركي لم تنقطع للحظة واحدة. والموقف الأميركي يسير باتجاه تأييد الجيش وخدمة الانقلاب. إن توجه مصر نحو روسيا الآن ليس إلا تكتيك وظيفيا يجري بتفاهم الطرفين: المصري و الأميركي معا.
مصر منذ السادات قطعت العلاقة الحميمية مع روسيا، واتجهت باقتناع ذاتي نحو واشنطن، وتل أبيب، ولم يحدث ما يغير هذه القناعات لا عند مبارك ، ولا عند السيسي والجيش بعد ٣/٧/٢٠١٣ م. مصر أميركية التدريب و السلاح بنسبة ٨٠- ٩٠٪ ، وعقد صفقة بملياري دولار إن تمت لا يغير في معادلة السلاح، ولا في معادلة توجهات السياسة الحاكمة في مصر.
الهدف الأول والرئيس لهذه الزيارة يكمن في حصول وزير الدفاع على تأييد سياسي روسي، ربما يظن مخطط السياسة في القاهرة أنها خطوة مهمة لفتح باب الاعترافات الدولية بالسلطات القائمة في مصر. إن تحقيق هذا الهدف يمكن أن يتم بتعاون مشترك بين القاهرة وواشنطن. وهو لا يعني تحولا للشرق، ولا تحديا للغرب، ولا يعني تنويع مصادر السلاح، و لا الضغط على البيت الأبيض.
إن أعرف الناس بطبيعة الزيارة الوظيفية وحقيقتها وأهدافها هو بوتين نفسه، وهو يعلم أن هذه الزيارة لن تحقق التحول المصري الى الشرق، وربما لا تسعى موسكو لهذا التحول.
وروسيا تتعامل مع الصفقة ماليا من ناحية، ومع مصر كمنطقة نفوذ قديم من ناحية أخرى. روسيا تعلم أنه ليس بمكنتها استعادة نفوذها القديم في مصر لأن مصر تتجه في قبلتها الى واشنطن، ولا يمكنها الاستغناء عن هذه القبلة التي توفر لها المال والتدريب والسلاح، وإذا قررت مصر الاستغناء عن واشنطن فإن بحسب القراءة الروسية لا تستطيع تحمل تبعات القرار. وعليه فإن الزيارة في الوجه الأرج ليست زيارة سلاح، ولا زيارة تحدي، وإنما هي زيارة تكتيك وظيفي تستهدف فتح باب للتأييد الدولي العلني للسيسي ولخارطة المستقبل ، وربما تفتح هذه الزيارة بابا لزيارات أخرى يقوم وزير الدفاع أو غيره الى أوربا وأميركا، بحيث تتخذ الأنظمة الغربية من زيارة موسكو هذه مبررا لفتح باب التعاون العلني مع السلطات في مصر .

