( لست مهووسا. وأمن اسرائيل في أعلى سلم أولوياتي) . هذا ما قاله جون كيري للإعلام العبري. كيري لا يبعث برسالة تطمين للقيادة في تل أبيب، فنتنياهو يعلم ذلك، ولا يشك فيه، لذا نقول إن كيري صادق فيما قاله.وخطته التي لم تنشر حتى الآن تقوم على قاعدة أمنية بحسب الرؤية الإسرائيلية.
ثمة التزامات فلسطينية مشروطة بالتنسيق الأمني مع اسرائيل ، على نحو ما يجري الآن وأكثر وأوسع ، وتواجد اسرائيل في مناطق محددة في الضفة، ودوريات مشتركة، وأجهزة إنذار مبكر في رؤوس الجبال، ومطاردة ساخنة، وفضاء يحتله الطيران الإسرائيلي، ودولة منزوعة السلاح، ودولة تكافح تهريب السلاح ، وتقمع من تسول له نفسه بالمقاومة، ولا تعقد اتفاقات ثنائية مع الغير بدون موافقة اسرائيل، وأغوار ومعابر تحت السيطرة أو المراقبة الإسرائيلية، أو تحت سيطرة قوات الناتو .. الخ.
إن القاعدة العريضة والعميقة لخطة كيري هو الأمن لدولة الاحتلال، ولا أمن للفلسطيني، وكل ما يتعارض مع أمن تل أبيب لا وجود له في الخطة. ولكن مفهوم الأمن عند أركان القيادة والأحزاب قي تل أبيب لا يقف عند مفهوم كيري له.
مفهوم الأمن عند تل أبيب لا يقف عند حدود الحالة الراهنة، وإنما يتعداها إلى الحالة المتخيلة المرتبطة بالمستقبل القريب والبعيد، لذا تجد أصواتا يهودية تحذر من الانسحاب من الضفة ومن إقامة دولة فلسطينية، وتزعم أن الانسحاب سيأتي بالجهاد العالمي والقاعدة الى حدود دولة الاحتلال. وهؤلاء يرون أن الجهاد العالمي بات محيطا بدولة الاحتلال في ( سوريا، ولبنان ، وسيناء، وغزة، وله امتدادات عميقة في العراق وأفغانستان وإيران واليمن، وليبيا، وتونس ) وغيرها، لذا ليس مطلوبا من حكومة نيتنياهو المغامرة بتسوية تأتي بالجهاد العالمي.
مفهوم الأمن مفهوم متضخم في الرؤية الإسرائيلية ، فهي مثلا ترفض أن تركن الى الأمن الذي يمكن أن توفره قوات دولية، أو قوات من الناتو، أو قوات متعددة الجنسيات، ولا تركن إلا لقواتها وأجهزتها، مع أنها تستخدم أميركا والغرب، والحكام العرب ، للمساعدة في حفظ أمنها. المساعدة في حفظ الأمن عندها، شيء أخر غير الأمن الذي يجب أن يتوفر بيد اليهودي، لأن الأول ناقص وغير مستدام، والثاني كامل ومستدام ؟!
لقد أعطى المفاوض الفلسطيني فيما يبدو كل الضمانات اللازمة لحفظ أمن اسرائيل، ولكن ما قدمه المفاوض لا ي كفي لكي تخرج الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من الضفة ، والأغوار والمعابر، والبحر، والجو، والجبال العالية. الأمن باليد الصهيونية ، ليس كالأمن باليد الاميركية واليد الغربية، واليد العربية، مع أننا نجد ومن خلال مقاربة تاريخية، أن اليد العربية وفرّت لدولة الاحتلال أمنا لم توفره لها أجهزة الأمن الصهيونية، ولا توفره لها الأسلحة النووية والتقليدية، ولا توفره لها أميركا والدول الغربية.
في اسرائيل لا يكذبون كيري فيما يقوله عن لأمن، ولكنه عليه أن يفهم أن مفهومه للأمن يبقى ناقصا إذا قيس بمفهوم اسرائيل ، لذا هو متهم عند بعض قادة اليمين بأنه يعرض دولة الاحتلال الى الخطر، ومن ثمة وصفوه بالمهووس. وهنا أسأل المفاوض الفلسطيني، كيف تطمح لعقد اتفاق تسوية متوازنة تحفظ الثوابت ، في ظل هذه الحالة ، التي جعلت كيري مهووسا؟! ألا تشعر أنك بالمفاوضات تخدع شعبك، والعالم، وتخدم نظرية الأمن الصهيونية؟!

