أخبار » مقالات

القوة والنفاق

04 تشرين أول / مارس 2014 09:49

لست مع احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم. ولست مع التدخل الروسي في أوكرانيا. ولست مع التدخل الغربي الأوربي فيها أيضاً. ولكن أود أن أقول : إن احتلال اسرائيل للقدس والضفة وغزة بعد احتلال فلسطين في عام ١٩٤٨م يبرر احتلال روسيا وتدخلاتها، هذا من ناحية، ويكشف عن نفاق اميركا والغرب، من ناحية أخرى.

لقد احتلت اميركا أفغانستان والعراق، وجعلت منهما منطقة نفوذ دائم حتى بعد الانسحاب المقرر منهما. واحتلت اسرائيل بقية الأرض الفلسطينية بقوة السلاح وبمساعدة اميركا والغرب، وما زال الاحتلال قائما، وتحاول أميركا أن تحافظ على النفوذ الإسرائيلي من خلال المفاوضات. ولا أظن أنه ثمة فرق بين الفعل الروسي في القرم، والفعل الأميركي الإسرائيلي فيما ذكرت من بلاد.

لقد تابعنا سيطرة روسيا على القرم، وهو في تقديرنا خطأ قاتل لأنه احتلال بالقوة مهما قيل عن مبرراته. وتابعنا ردود الأفعال الغربية والأميركية، فوجدناها تكشف عن نفاق مرعب في العلاقات الدولية، إذ كيف يغضبون من الاحتلال الروسي، ويسارعون لفرض العقوبات والحصار على روسيا، بينما يحمون الاحتلال الإسرائيلي، ويرفضون أية عقوبات عليها، ويرفضون مناقشة الاستيطان في مجلس الأمن.

الفارق بين روسيا وأميركا، أن روسيا تعتمد القوة الخشنة للحفاظ على مصالحها كما تراها في أوكرانيا والقرم تحديدا، ولا تركن الى القوة الناعمة للسيطرة، لأنها لا تملك أدواتها( المالية واللوجستية)، بينما تتوفر هذه الأدوات ( الناعمة) بشكل كبير في أميركا وأوربا.

الدبابات والسفن الروسية تتحرك بقوة لفرض الأمر الواقع، بينما تتحرك أوربا وأميركا من خلال العقوبات، والحصار، والأمم المتحدة، لإنشاء أمر واقع آخر، لأنها تمتلك أدوات القوة الناعمة. في أيام قليلة فرضت اميركا وأوروبا حزمة قوية وواسعة من العقوبات على روسيا، وهي حزمة مؤلمة، ولكنها لن تؤثر في بوتين الطامح لاستعادة النفوذ السوفيتي.

في البيت الأبيض رجل ضعيف، ومن خلفه مجتمع كره القتال خارج حدود اميركا، بعد نزيف أفغانستان، والعراق، وقد بان ضعف رجل البيت البيض في الملف السوري، وهو ضعف مهد في رأي المحللين لما يحدث في القرم. وفي الكرملين ثعلب قوي صاحب خيال، ويطمح أن يكون إمبراطورا، ومن خلفه مجتمع يستريح للقوة العسكرية لا سيما في بلاد النفوذ التقليدي للاتحاد السوفيتي، بعد أن نسي تجربة أفغانستان.

لست أدري على وجه اليقين، هل ثمة حرب باردة تتشكل الآن بقوة، أم أن الأطراف ستتقاسم المصالح وتؤجل إشعال الحرب الباردة، أم ستلجأ الأطراف الي مقايضات في مساحات جغرافية أخرى، ربما يكون الشرق الأوسط ميدانا لها؟! ولكني أدري أن في العلاقات الدولية والإقليمية أمران: الأول القوة، ولآخر النفاق. وأن في البيت الأبيض رجل ضعيف، وفي الكرملين رجل طموح.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟