فلسطين التي هُجر منها أهلها في 1948م يستذكرونها بمزيد من الألم والأمل وتتجاذبهم خرائط طرق عدة اجتهد المجتهدون في رسمها. وفي نكبة فلسطين المتجددة باستمرار المعاناة وتفاقمها، والمتجددة بالنكسة التي فاقمت النكبة وعظمت نتائجها وأطالت مشروع طريق العودة وخارطتها.
هنا فلسطين نكبة ونكسة لها أسبابها وحيثياتها حيث دفع الشعب الفلسطيني الثمن كاملاً لحالة التردي والضعف والهوان والتهميش والرويبضة.
هنا فلسطين حيث تتجسد ملامح الصراع الأبرز بين مشروعي الخير والشر والحق والباطل، بين المشروع الصهيوني رأس حربة المشروع الغربي في مواجهة المشروع الإسلامي ورأس حربته الشعب الفلسطيني بقيادة حماس.
هنا فلسطين نرسم خارطة الطريق للتحرير والعودة إلى فلسطين كما رسمها محمد (صلَّ الله عليه وسلم) التي اعتمدت شعار " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ" [الحج : 39،40].
رسم محمد (صلَّ الله عليه وسلم) خارطة الطريق للعودة حين أُخرج من مكة فقال: "يا مكة إنك والله أحب أرض الله إلى قلبي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت".
ولما وصل إلى المدينة وقبل أن يرقد وضع الأساس للمسجد الأول ورسم الخط الأول في خارطة طريق التحرير والعودة. فالمساجد تضع أساس التحرير والعودة بالقرآن والإيمان والتمسك بالعقيدة ووحدة المرجعية (كتاب الله وسنة رسوله) "تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي" ، " فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً" [طه: 123،124].
وقبل أن يكتمل بناء المسجد جمع (صلَّ الله عليه وسلم) أصحابه ليرسم الخط الثاني في خارطة طريق التحرير والعودة بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. بناء الجسد الواحد والإخوة الكاملة " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" [الحجرات: 10] " ، "مثل المؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى عله سائر الجسد بالسهر والحمى".
ومن ثم رسم (صلَّ الله عليه وسلم) الخط الثالث في خارطة طريق التحرير باستثمار الطاقة البشرية وتطوير قدراتها وبناء الإنسان " وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [الأنفال : 26]
والخط الرابع في خارطة الطريق بإعداد المقدرات المادية وعلى ذات قاعدة الإعداد "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ " [الأنفال : 60] بعد أقل من عشر سنوات كان محمد (صلَّ الله عليه وسلم) في مكة عائداً فاتحاً منتصراً.
في خارطة الطريق التي رسمها محمد (صلَّ الله عليه وسلم) ونفذها خطوة خطوة لم يغفل عن قاعدة ذهبية في خروج آدم عليه السلام من الجنة كجزء مكمل لخارطة الطريق. فحين أُخرج آدم من الجنة عاتبه ربه بأنه "فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً" [طه : 115] ". مما يحقق المعنى المراد في أن حلم العودة بحاجة إلى الاحتفاظ بالذاكرة وعدم النسيان وبحاجة إلى امتلاك العزيمة والإرادة الصلبة القادرة على الوصول إلى حلم التحرير والعودة بالصبر والمثابرة ومواصلة الطريق وفق خارطة طريق محمد (صلَّ الله عليه وسلم) للتحرير والعودة.

