اعتمدت السعودية تاريخيا سياسة الصمت والتحفظ في علاقاتها العربية. العمل بتحفظ، وبصمت، كانت سياسةالملك سعود وفيصل وفهد وعبدالله الى ما قبل الزلزال الذي فجره الربيع العربي. لم ترتح المملكة لمخرجات الربيع العربي التي أسقطت زين العابدين، ومحمد حسني مبارك، حيث جاء الربيع بقيادات إسلامية واضحة الهوية والرؤية، وهنا نظرت إليها المملكة باعتبارها تهديدا للنظام واستقرار المملكة.
ومن ثمة كان القرار السعودي المباشر هو احتواء تأثيرات الربيع العربي داخل المملكة من خلال حزمة سخية من الإجراءات المالية لصالح المواطن السعودي، وكانت كلفة هذه الحوافز كبيرة، تجاوزت (٦٠ مليار دولار). وبموازات القرارات المالية، كانت هناك حزمة من الإجراءات الأمنية لضبط الإجراءات الداخلية والعابرة للحدود أيضاً.
لقد وفرّت سياسة التحفظ للمملكة فرصة جيدة لقيادة دول الخليج، وتحجيم السياسات الراديكالية والمتعجلة، وظل مجلس التعاون الخليجي الإطار الذي يحتضن الخلافات بين الدول الخليجية. ولكن البيئة التغييرية التي صنعها الربيع العربي أخرج المملكة من سياسة التحفظ، وكان الخروج الأكبر في دعمها العلني، والمالي السخي للانقلاب في مصر، حيث رأت فيه المملكة طوق نجاة من تأثيرات حكم الاخوان في مصر وتونس، وعملت على تأييده لإنجاحه، مضحية بجزء كبير من احتياط المملكة النقدي، بالتعاون مع الإمارات المتحدة. لم يحقق الانقلاب في مصر النجاح والاستقرار، و أنفق ما وصله من دعم مالي خليجي، ويقال إن عبد الفتاح السيسي يطلب دعما ماليا عاجلا ب( ٤٠ مليار دولار) وهو رقم ضخم.
المشكلة في المملكة كما يقول المحللون لا تقف عند الرقم المالي الكبير، وإنما في عدم اطمئنان المملكة والإمارات لنجاح السلطات الحاكمة في مصر، امام صمود المتظاهرين أمام الإجراءات القمعية في مصر ، واتباعهم سياسة النفس الطويل ذات الكلفة المالية العالية، وهنا حمّلت السعودية والإمارات الإخوان المسلمين، وقطر وإعلام الجزيرة المسئولية المباشرة عن رفع كلفة الفاتورة المالية التي يجب أن تدفعها المملكة للسلطات في مصر، مما دفع المملكة للخروج من سياسة التحفظ، والإعلان عن الاخوان جماعة إرهابية، وسحب سفيرها من قطر، واتهامها بدعم الاخوان ضد السلطات المصرية الحاكمة بشكل مباشر.
حين انفردت المملكة والإمارات بتأييد الإنقلاب بغير تحفظ، قال المحللون إن السعودية خرجت عن المعتاد، وأنها ارتكبت أكبر خطأ في سياستها الخارجية منذ قيام المملكة، وكان يسعها طريقا آخر، ومن ثمة فقدت المملكة القدرة على التراجع، واضطرت الى التقدم أكثر في طريق الأشواك، فأعلنت عن الإخوان حركة إرهابية، رغم أنه لا يوجد للإخوان تنظيم في السعودية، بينما تدعم السعودية الائتلاف الوطني في سوريا والإخوان جزء من الائتلاف ، وكانت السعودية تاريخيا في عهد المؤسس عبد العزيز، ثم فيصل ، ملجأ للإخوان وعلى صلة وثيقة بهم، وفي هذا الاتهام نقض لما استقر تاريخيا على يد قادة العائلة المالكة في المملكة، وبداية لسياسة المواجهة.

