صباح كل يوم؛ يتلقى "نتنياهو" تقارير استخباراتية حول الأوضاع الداخلية للدول العربية والفلسطينيين؛ فيبتهج ويفرح، وتدخل السعادة إلى قلبه من أوسع أبوابها في فترة حكمه الذهبية، والتي لم يحلم قبله بها أي زعيم في دولة الاحتلال. "
نتنياهو" يعيش أحلى أيامه وأسعدها؛ فلا يوجد تهديد استراتيجي من قبل أقوى ثلاث جيوش عربية حوله في المدى المنظور؛ فقادة الجيش المصري مشتبكون داخليا مع قوى المعارضة التي أدرج أقواها على قوائم الإرهاب؛ وهو بذلك بحاجة لقدرة وطاقة تستنزفه حتى ينجح في القضاء على الإخوان كجزء كبير من الشعب؛ وان فشل فهناك حديث آخر والتي بدت شواهده وملامحه تشير لذلك.
الجيش السوري استنزف وأنهك في حرب داخلية منذ سنين، وان نجح في معركته فانه لن يعود ويكون كالسابق؛ وان فشل فهذا له أيضا انعكاساته وارتداداته المتتالية.
والجيش العراقي يخوض كل يوم معارك تستنزفه؛ وهو أصلا ما عاد كالسابق من حيث القوة والتفاف الشعب العراقي حوله، وبات خبر السيارات المفخخة التي تحصد العشرات يمر مرور الكرام في نشرات الأخبار لتكرارها اليومي,الانتقال للشأن الفلسطيني أكثر ما يسعد "نتنياهو"؛ فالقضية الفلسطينية ما عادت الشغل الشاغل للعرب المنقسمين والمتقاتلين، واستمرار ومواصلة المفاوضات المتوقع تمديدها؛ يشكل فرصة ذهبية له لفرض المزيد من الوقائع على الأرض في الضفة الغربية، وتهويد القدس بالمزيد من تمدد غول الاستيطان.
. "نتنياهو" سعيد بمواصلة الانقسام الفلسطيني، وحالة التمزق الفلسطينية المتسارعة؛ فسياسة فرق تسد؛ تقويه وتمد من عمر دولة الاحتلال، ويجعله في وضع مريح داخليا، وأمام حزبه وبقية الأحزاب في دولته.
احتلال مريح وغير مكلف؛ يسعد ويثبت "نتنياهو" في موقعه كرئيس لدولة الاحتلال، والوضع بالإجمال مثالي لحكومته، اللهم إلا ما ينغص عليه ما بين فترة وأخرى من إطلاق صواريخ غزة باتجاه المستوطنات، والتي يخنقها ويحاصرها ذوي القربى. "
نتنياهو" يشعر بالزهو ويختال بين وزراء حكومته، ويقول لهم: انظروا تفكروا وتأملوا؛ كيف ان الاحتلال هو ارخص احتلال في التاريخ؛ فلا عمليات ولا تفجيرات ترعب وتخيف أبناء دولتي، ولا الاستيطان توقف برغم المفاوضات مستمرة وسيجري تمديدها، والمستوطن ينام في جبال الضفة نوما هنيئا ومريحا وفي الهواء الطلق، والاقتصاد في عهدي تطور وانطلق وازدهر، ومن حولي من العرب ممزقون يتقاتلون، وأنا أنظر إليهم وأتشفى فيهم، وكل المعطيات والظروف والأحداث تعمل لصالحي.
الزمن لا يرجع للخلف، ولا يلتفت لمن عقبوا ولم يحسنوا فن القيادة والريادة، وهو يجري سريعا؛ لذلك وجب أن نستغل الظرف الراهن والصعب؛ بالمزيد من التحدي ل"نتنياهو" والمثابرة والوحدة؛ لا الاستسلام للواقع التعيس.
في المحصلة؛ يغيب عن "نتنياهو"؛ أن ما يحصل حوله ما هو إلا كبوة وغفوة طارئة قياسا بعمر الشعوب والأمم، سرعان ما يصحو العرب والفلسطينيون منها، ومن ثم ينطلقون لوضع حد له ولأمثاله من المتعجرفين والظلمة، وكم نتمنى أن يكون ذلك اليوم سريعا وعاجلا، فقد أرهقتنا الصراعات والفتن الداخلية، وتعطيل الطاقات وهجرة الكفاءات، وآن الأوان للتكاتف كالجسد الواحد لمواجهة الضغوطات المتزايدة علينا جميعا.

