يقول ساندر بيرس، رائد التيار البراغماتي العالمي: "إن تصورنا لموضوع هو تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر"، ويعرِّفون البراغماتية على أنها الموقف الذي يصرف النظر عن الأشياء الأولى والمبادئ والضرورات المفترضة ويتجه إلى الأشياء الأخيرة، الآثار والنتائج والوقائع.
وزارة النقل والمواصلات مؤسسةٌ وطنيةٌ تحترم شعبها، وتدرك جيداً أن شعبها تعرَّض لتجهيلٍ هائلٍ على مدار سنوات احتلاله، لذا تتَّبع الوزارة نمطاً خاصاً في تطبيق القانون، نمطاً تدريجياً قد يظنه البراغماتيون عائقاً في طريق عجلة الإنجاز، لكن الوزارة تعتقد أنه النمط الأكثر تقديراً لشعبها في ظروفه الحالية، والأكثر احتراماً لإنسانية الإنسان الفلسطيني وخصوصية تضحياته وتاريخه، لذا قامت الوزارة بحملةٍ إعلاميةٍ قبل أن تفعِّل مخالفات الدرجة (أ)، وإنَّ حملات التوعية المرورية التي تقوم بها الوزارة بين كافة فئات المجتمع قائمةٌ على هذا الأساس، فكأننا في هذه الحملات نقول لشعبنا: "سنُمضي سنواتٍ في التوعية والتحذير قبل أن نقوم بتفعيل القانون تفعيلاً كاملاً، تفعيلاً يعاقَبُ فيه كل مخالف، وإن كان ماشياً لا يستخدم الرصيف".
إن الأب التقليدي لا يملك غيرَ طريقةٍ واحدةٍ في تربية أبنائه، تتمثل في الغلظة والقسوة، مضحياً بمحبة أبنائه له، ومعتقداً أن أبناءه سيشكرونه ذات يومٍ على هذه التربية، غيرَ مدركٍ أن شكر أبنائه، وإن وقع يوماً، سيكون صادراً عن نفوسٍ عليلةٍ اعتقدت أن أباها رباها تربيةً سليمة، حتى إذا وُضع أصحابها تحت محك التجارب انفجرت نفوسهم المكبوتة لتوزع على المجتمع أسوأ أشكال الشر وأفظع أنواع الفوضى.
وإن الأب الذكي يملك من فنون التربية وأساليبها ما يجعل أصحاب نظرية العصا يظنونه أباً رخوَ التربية هزيلَ الدراية بفنون التأديب، غيرَ مدركين أن ذلك الأب هو الذي سيشكره أبناؤه حقاً، حين تطحنهم الحياة فينجون من بين أضراسها نجاةً تكشف عن سلامة نفوسهم وخلوها من الآفات.
وإن مَثَل الحكومة البراغماتية مع شعبها كمثل الأب التقليدي مع أبنائه، وعليه إن البراغماتية المفرطة شرٌّ عظيمٌ ينذر بانفجار النفوس، وما ذلك إلا لأن أصحاب هذا التيار يهرولون غير مدركين طبيعة التكوين النفسي لشعبهم، معتقدين أن العصا هي الحل الأول والأخير، وما كانت العصا حلاً سحرياً لكل المشكلات، ولا حتى في دنيا الحيوان.
ولنفترض صحة ما يدَّعيه البعض حين يقولون: "إن الناس تعرف قانون المرور جيداً، فلا عذر للناس إذن حينما ينتهكون القانون". على وجه القياس أقول هنا إن رسالة الإسلام تنزلت على قومٍ يعرفون الله جيداً، ولم تتنزل على قومٍ بدائيين يتسلقون الأشجار عراةً ويفترسون البشر، لقد كانت قريش تؤمن بالله، غير أنها لم تكن تعبده حق عبادته، وهنا لم يأت محمد -صلى الله عليه وسلم- بمنهج براغماتي قائلاً: "إنهم قوم يعرفون الله فلا عذر لهم، اضربوا أعناقهم"!، بل أدرك صلى الله عليه وسلم أن المشكلة تحتاج إلى ذكاءٍ في التعامل وتدرج في التقويم، وهذا تماماً ما نراه في حالتنا المرورية، نعم الناس تعرف القانون، لكنَّ هناك خللاً في التطبيق يستدعي التدرج في التربية، حتى لا يرتد الناس من بعد القسوة كفاراً بالقانون حاقدين عليه وعلى من يطبقونه!.
إن الوجه الحقيقي لوزارة النقل والمواصلات هو وجهها المضيء المُطِلُّ من رحم معاناة شعبها، وإن نمط تقويم الوزارة للمنظومة السلوكية الخاصة بقطاع المرور في مجتمعنا هو نمطٌ يقوم على مبادئ الإسلام العظيمة، التي تؤمن بالتدرج والرحمة والتماس العذر ودرء الحدود بالشبهات، وإنَّ أيَّ استهزاءٍ بهذه المبادئ أو تهميشٍ لها هو عدوانٌ على نهج الإسلام ومن يتبنونه، وهو ما لا يمكن أن تقبله الوزارة والقائمون عليها.
مركز الوفاء يُشارك في حفل إطلاق فعاليات اليوم العالمي لكبار السن

