كان للشيخ الشهيد أحمد ياسين أطروحة كاملة ناضجة في التحرك الإسلامي السياسي في مواجهة الاحتلال الظالم وهو ما دوّنه سلوكاً في حركته «حماس». ونحن مطالبون بدراسة فكر ونظريات وتوجيهات الإمام الياسين فإنها مصابيح في طريق العاملين. كنت ألمس عبقريته الفذة، والتي تجلت أكثر ما تجلت في مستوى خطابه السياسي، الذي لا يتوقع أن يصدر من رجل لا يتحرك فيه إلا رأسه ولسانه. إنه وإن كان أشل الجسد، فروحه وعقله في قمة الانطلاق والحيوية والعبقرية. وقد كنت متتبعاً تصريحاته، وحواراته، فتلمست الحكمة وبعد النظر وسعة الأفق في خطابه السياسي.
فمن ملامح خطابه السياسي في مجال رسم الأسس والمبادئ أنه يوظف أصالة الدين، وحداثة السياسة، لصوغ خطاب سياسي إسلامي أصيل وحديث. إن أحمد ياسين ليس شيخاً تقليدياً لا يجيد إلا لعن ساس يسوس وما صدر عنهما من سياسة، كما أنه ليس سياسياً عادياً يخبط في عالم السياسة.
قدم الشيخ الياسين نموذجاً رائعاً في استحضار البعد العالمي للخطاب والنضال السياسي في عصر يسمى "عصر العولمة". فقد كنت تراه يخاطب عواصم العالم الأجمع رغم تباين مواقفها السياسية من أجل استمالة الرأي العالمي إلى حقه المشروع في المقاومة بكل الحجج والبراهين، من الأديان والشرائع ، وأحداث التاريخ ، ومعاناة الفلسطينيين من الصهاينة ..إلخ . كما أنك لا تكاد تسمع من على لسان الشيخ الياسين تصريحات نارية انطلقت من القلب ولم تمر على العقل.
ومن الأمثلة البارزة على الحكمة السياسية توظيفه للنظرة الفقهية إلى أرض فلسطين لتحميل كل المسلمين المسؤولية عنها، وليس حصرها في الفلسطينيين وحدهم. تلك النظرة التي يكررها دائما، وكررها في رسالته إلى الرؤساء العرب حيث قال إن" أرض فلسطين وقف إسلامي لا يجوز التنازل عن شبر منها حتى وإن كنا لا نملك الآن القوة اللازمة لتحريرها".
وكذلك لا تكاد تسمع للشيخ الياسين إلا وتلاحظ الروح التوفيقية والتجميعية تسري في لغة ومضمون خطابه السياسي. وأشد ما تتجلى هذه الروح في موقفه المحلي والعربي، فعلى المستوى المحلي بذل ياسين جهداً كبيراً في جمع كلمة الفصائل الفلسطينية على قاعدة الوحدة الوطنية.
كان الإمام الياسين واقعياً وهو يتطلع إلى المستقبل، لا ينسى واقعه المعاش، لقد كان ينظر بعين إلى المستقبل، وبأخرى إلى الواقع . إنه كان ينظر إلى واقع المقاومة وإمكاناتها البشرية والمادية، فيسير بها من الحجارة إلى السكاكين، إلى العمليات الاستشهادية، وقذائف الهاون والبنا والبتار وصواريخ القسام...وينظر إلى واقع السلطة والفصائل الأخرى التي تسكن معه في نفس البيت، فيحاول أن يقنع المتردد، ويعلم الجاهل، ويصبر على المعاند. وينظر إلى واقع الجيران من العرب والمسلمين، فيستبشر إذا أعين، ولا ييأس إذا طرد وجفي. وينظر إلى واقع العالم الذي تصول وتجول فيه أمريكا كما تشاء طغمة شيطانية تديرها في العلن أو الخفاء، فيكون أول من يعطي البرهان أنه من الممكن ألا ننهزم ولا نستسلم أمامها.
الحزن العميق الذي سقطنا فيه فجر استشهاد الإمام الياسين، كانت تنمو بداخلنا مشاعرُ الخوف الكبير على مستقبل قيادة العمل الإسلامي في فلسطين خاصة في بُعده المرجعي, ولكن المعية الإلهية والتوفيق الرباني والإخلاص والتفاني دلائل الرضا الإلهي بحول الله تعالى بأن نصر الله قادم " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا"[العنكبوت : 69].

