غزة – الرأي – محمود أبو راضي
يساور الأمل قلوب الغزيين المنغصين بجحيم الحصار الصهيوني الذي يضرب أطنابه قواعد الحياة البشرية البسيطة من مأكل ومشرب وتمتع بحقوق أساسية كأدنى المتطلبات الآدمية، بأن تبيض دجاجة المصالحة هذه المرة بيضة ذهبية تقضي على مفعول الآلام والأوجاع المتعشش بأجسادهم.
سبع سنوات من الانقسام الداخلي البغيض كانت كافية لتعميق الشرخ الوطني بين شطري الوطن بالضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، ومع كل ليلةٍ يضع فيها الفلسطيني رأسه على وسادته يحلم بأن يصحو في اليوم التالي على وقع تحقيق وحدة الشعب ضد المحتل الذي ينهب دون حسيب أو رقيب.
وفي ليلة وضحاها برز موضوع المصالحة على السطح من جديد، وقرر الطرفان أن يلتقيا ليحققا حلم الشعب الفلسطيني منذ سنين عجاف بتوحيد صفوفه وقواه؛ للانطلاق نحو استراتيجية نوعية تعيد للشعب لحمته، وتشفي عافيته المتثاقلة بالهموم.
وأعلنوا عن البدء بتشكيل حكومة توافق وطني في غضون خمسة أسابيع، وجملة أخرى من القرارات الحسنة، ومعها بدأ مواطنو غزة ينتظرون بتلهف وشوق شديدين، الحال الذي سيكون عليه القطاع تحت عباءة الحكومة الجديدة، وهل ستنفرج أزماته المتراكمة وينعمون بشيء من الراحة بعد سنوات لا داعي لذكر مآسيها؟.
وكان وفدا منظمة التحرير الفلسطينية وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" وقعا بغزة، الأربعاء الماضي، اتفاقًا ينهي حالة الانقسام الداخلي التي استمرت سبع سنوات، واتفقا على وضع الجداول الزمنية لتطبيق اتفاقيات المصالحة الوطنية.
وبحسب اتفاقي القاهرة والدوحة فإن الحركتين اتفقتا على تشكيل حكومة توافق وطني انتقالية مؤقتة برئاسة الرئيس عباس، تكون مهمتها متابعة إجراءات إعادة بناء الأجهزة الأمنية، والإعداد للانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإعادة إعمار قطاع غزة، ومعالجة كافة القضايا الإدارية والمدنية الناجمة عن الانقسام بين الضفة الغربية والقطاع.
شبّان غزيون بدؤوا منذ لحظة الإعلان عن موعد تشكيل الحكومة، باحتساب كل يوم ينقضي حتى الوصول إلى الموعد المتوافق عليه، ليراقبوا الحال الذي سيكون عليه قطاع غزة، وهل من تغيرات تذكر ستحصل أم سيبقى الوضع كما هو؟.
"من حقنا كمواطنين أن نبقى حذرين تجاه الوعود، ورفع سقف توقعات الوضع الذي سينتظر غزة في ظل حكومة التوافق، فالمطلوب الآن إنجاز المصالحة واقعًا". يجيب الشاب محمد أبو حسنة على التساؤلات المشروعة أعلاه. الحذر يكتنف أبو حسنة إلا أن التفاؤل كان حاضرًا بتغيير واقع غزة عبر البوابة العربية والإسلامية بالوقوف إلى جانب الحكومة الجديدة لرفع الحصار عنها، وإمدادها بكل ما تلزم لدعم صمود شعبها، للتصدي للضغوطات الأمريكية والصهيونية التي قد تقتل حلم وحدتنا الناشئ.
بصيص من الأمل كان يراود الشاب إسماعيل أبو سعادة بأن تحدث الحكومة الجديدة المنوي تشكيلها -انفراجة بأوضاع غزة؛ لكن ليست بشكل كامل ليشعر الناس أن الأمور تحسنت، على حد قوله.
ولكن الموضوع الأهم من وجهة نظر أبو سعادة أن الاحتلال الصهيوني لم يترك غزة في حال سبيلها ما دامت رافعةً لشعار المقاومة وعدم التنازل عن مقدرات شعبنا، فلن تتوقف محاولاته بالضغط على شعب غزة؛ لتشكيل رد فعل سلبي تجاه المقاومة وسلاحها المشروع.
"فأرى أنه لا داعي للإفراط في التفاؤل، فموضوع المعابر بالنسبة لغزة لم يكن مشكلته الانقسام، فمن يتحكم بها بشكل رئيس هو الاحتلال، ومعضلته الوحيدة مع غزة هي سلاح المقاومة، فلطالما أن السلاح موجود فلا أعتقد أن أزمات غزة ستنتهي"، يضيف.
فالشاب "أحمد طلبة" استقى نظرته التفاؤلية بتحسن الأوضاع بغزة من صدى الشارع الذي يسيطر التشاؤم عليه، بعكس المرات السابقة، فالمعنى الحقيقي للمصالحة الوطنية ـبحسب رأيه ـ هو ليس تشكيل حكومة أو تعيين رئيس وزراء، إنما بفتح المعابر وانتهاء الاعتقالات السياسية وتحسن الوضع الاقتصادي.
وما يثير حفيظة طلبة ارتباط تشكيل الحكومة الجديدة بمهلة زمنية مدتها 5 أسابيع، قد يحدث أمرًا ما يعكر أجواء المصالحة، وتنقلب الأوضاع إلى سابق عهدها، فعلى صعيده الشخصي كان التفاؤل رفيقه هذه المرة على عكس اتفاقات مكة والقاهرة والدوحة حتى أزعجته مسألة المدة المحددة لتشكيل الحكومة.
وبحسبه، كان المطلوب بدلًا من توقيع اتفاقات جديدة، هو الإعلان عن أسماء الوزراء المشاركين في الحكومة الجديدة، ليشعر الشارع الفلسطيني المتعطش لإتمام المصالحة بجدية المسألة.

