غزة – الرأي- عبد الله كرسوع
رغم مرور 66 عاماً على تهجير الفلسطينيين من أراضيهم أو ما يسمي" بالنكبة" تروى الحاجة آمنة الحاج أحمد حكاية النكبة، التي عاشتها وهي ابنة الرابعة عشر عامًا وكأن ما حصل كان بالأمس القريب.
تفاصيل صغيرة كانت كافية لِتُنقل للأجيال والأحفاد وأن يحفظوا معها حقهم الذي سُلِبوه من الاحتلال.
فعلى فراش مرضها في بيتها الكائن في حي الزيتون تحاملت الحاجة أم حسن (80 عامًا) على أوجاعها ومرضها، وبدأت تروي قصتها عندما هاجرت برفقة عائلتها من بيت دارس جنوب فلسطين المحتلة إلى مدينة غزة، وكأنها تريد أن تقول "إن كل ألم ووجع يهون أمام ألم الهجرة والنكبة".
هم الأشخاص أنفسهم الذين عاشوا أحداث النكبة ،تتجدد ذكرياتهم وتزداد آمالهم رغم مرور عام جديد على تلك المأساة، إلا أنهم ما زالوا يحملون الذكريات الأجمل لطفولتهم وألعابهم وعاداتهم وتقاليدهم متمسكين بالحلم الأصعب المتمثل بحق العودة إلى أرض الآباء والأجداد ، عدا عن احتفاظهم بمفاتيح الديار وشهادات الطابو القديمة وتعزيز العودة لدى نفوس أبناءهم وأحفادهم .
وصف القرية
بدأت الحاجة أم حسن بتعريف قريتها قائلةً : "قرية بيت دراس فلسطينية الأصل، وتعني مكان دراسة الحنطة، ويرجع سبب تسميتها لوجود بيت سيدنا إدريس عليه السلام ".
وتضيف في حديثها لـ "الرأي: "تقع القرية إلى الشمال الشرقي من مدينة غزة، وتبعد عنها ما يقارب 32 كيلومتراً، وترتفع 50 متراً عن سطح البحر، وتبلغ مساحة أراضيها 88 دونما".
وتحيط بالقرية حدائق وبساتين الحمضيات وأراضي قرى المجدل والسوافير، والباطني، وأسدود، وحمامة، وترتفع بالتدريج من الغرب إلى الجنوب الغربي لتصبح تلاً.
وتابعت: "بيوت القرية كانت من الطوب، وبها مسجدان ومدرسة ابتدائية واحدة فقط ،جلُ أراضيها صالحة للزراعة بسبب الأمطار الغزيرة، كما اشتهرت بزراعة القمح والشعير، وطعام المفتول والكاسبر "اللحم".
البدرساوي
وعن سبب الصفة التي يحملها أهل بيت دراس والمتمثلة بـ " كبر الراس " قالت الحاجة إن أهل البلدة عاشوا في مرحلة مستقلة عن الآخرين وكان عندهم عنادة الرأس في كل شيء ولا يحب "البدرساوي" أن تنزل كلمته عند الزوجة أو العشيرة.
احتلال القرية
تقول الحاجة أم حسن : "لبيت دراس ذكرى بطولية في حروبهم مع اليهود إبان الحكم البريطاني، فكثير من المستعمرات اليهودية تقع في جوارها، وقد عرف أهلها بالشجاعة والتضحية".
وتتابع: "ارتأى اليهود آنذاك التخلص من هذه القرية، لأنها تمثل حلقة الوصل بين المستعمرات، فبدأ الاحتلال بقصف القرية بالهاون بشكل عشوائي فاستشهد العديد من المدنيين واحترقت بساتين القمح والشعير نتيجة القصف" .
هوجمت القرية أربع مرات حيث بدأ الهجوم من 16 إلى 21 مايو، وفي كل مرة كان أهل القرية ينتصرون على الاحتلال، رغم تفوقهم في العدد والعدة.
بعد ذلك، حوصرت القرية من جهاتها الأربع لمنع وصول الدعم للمجاهدين من القرى المجاورة، وبدأ الاحتلال بقصف القرية بالهاون، فطلب المجاهدون من الأطفال والنساء والشيوخ مغادرة القرية لتخفيف الخسائر.
وبعد مغادرة القرية، فرت الحاجة آمنة وعائلتها من بيت دراس إلى المجدل، ولكن الاحتلال ظل يطاردهم حتى وصلوا إلى قطاع غزة واستقروا بها حتى يومهم هذا .
وتُعد "بيت دراس"ثالث قرية احتلت على يد الاحتلال، هوجمت في 13/5/1948 وتم هدم منازل القرية بالكامل وتدمير مدرستها الوحيدة".
الخوف الأكبر
تصمت الحاجة قليلاً وتعضّ على أوجاعها التي ألمّت بها نتيجة اشتداد مرضها، وربما أيضاً لألم مرير يرافقها من الذكريات، لتقول: "كانت الاشتباكات بين الثوار واليهود عبارة عن مناوشات ليلية، وبعد فترة وصلتنا أخبار المجازر التي وقعت في العديد من القرى الفلسطينية والفظائع التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، وكان أكثر ما خشي منه الأهالي ليس القتل بل حوادث الاغتصاب التي شاع نبؤها آنذاك" .
ولكن رغم درب الألم الذي فُرِضَ على الفلسطينيين، إلا أن اللاجئ الفلسطيني لا يكل ولا يمل متخذاً من الصبر والإيمان والعلم سلاحاً يناضل ويكافح به من أجل العودة إلى ثرى فلسطينالمحتلة .

