غزة - الرأي - عبد الله كرسوع
يتخذ الكثير من أبناء قطاع غزة من صيد العصافير هواية لهم، فهي لا ترتبط عندهم بعمر محدد، بعضهم يتخذها مصدراً للرزق، وآخر يتخذها وسيلة للتسلية والترويح عن النفس في ظل الظروف القاسية التي يمرون بها.
العشرات من أبناء القطاع يمارسون طقوس مهنتهم مع بداية شهر مايو، معتمدين عليه كمورد أساسي للرزق، خاصة بعد انقطاع سبل العمل عنهم، وما حلّ بهم جراء الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من سبعة أعوام، ليصبح القطاع أشبه بسجن كبير يفتقد لأدنى مقومات الحياة، والبحث في شتى السبل لتوفير لقمة عيش يقتاتون بها.
هنا براعة الصياد لا تكتفي في الإيقاع بالصيد داخل الشباك من أجل كسب قوت يومه فحسب، إلا أن فصولها تمتد لتكتمل في القدرة على التخفي عن أعين جنود الاحتلال كي لا يقع هو بدوره صيداً لقناصتهم.
في منطقة جحر الديك، وبالقرب من الحدود الشرقية الفاصلة بين مدينة غزة والعدو الصهيوني؛ كان الصياد الفلسطيني محمد العكلوك من سكان مدينة غزة، يمسك بحبل بين يديه ينتهي بشبكة صيد، وما إن شد الحبل حتى ارتفعت الشبكة عن الأرض ووقعت فوق سرب العصافير الذي انهال على طُعم الصياد الذي هبّ مسرعاً للإمساك بصيده الثمين.
وفي الناحية الأخرى من المكان، ما أن وصل سرب من العصافير حتى امتلأ المكان بأصوات تغريداتٍ جميلة كان مصدره قفصا معلقا على شجرة، بداخله طائر "الحسون" الفلسطيني ذو الصوت العذب بهي المنظر.
ويروى محمد العكلوك لـ "الرأي" والذى رفض أن يتم تصويره قائلاً: "لا تغتر كثيراً بهذا الصيد الوفير من طيور الزينة، فنحن نعرض أنفسنا لخطر الموت من أجل هذه العصافير القليلة، وقد فقدنا بعض أصدقائنا في هذا المكان بسبب رصاص الاحتلال".
وتابع: "الأماكن التي نذهب إليها للصيد من أكثر المناطق في قطاع غزة خطورة، فهي قريبة من المستوطنات الإسرائيلية التي يحرص الاحتلال دوماً على إقامتها في مناطق المراعي الخصبة، وطائر الحسون يتواجد بكثرة في تلك الأماكن حيث تتوافر النباتات التي يقتات عليها".
وشهد قطاع غزة منذ بدء انتفاضة الأقصى استشهاد أكثر من 13 شاباً برصاص الاحتلال أو مستوطنين كانوا يمارسون صيد العصافير في مناطق مختلفة، معظمها في المناطق القريبة من شمال قطاع غزة.
موسمان للصيد
ويفرق صيادو العصافير بقطاع غزة بين موسمين لصيد العصافير، موسم يحل في فصل الشتاء، وهو موسم هجرة الطيور من المناطق الباردة شمالاً إلى المناطق الحارة جنوباً، ويطلق عليه اسم "الجردي".
أما الموسم الآخر فيحل في فصل الصيف، ويطلق عليه اسم موسم "البلدي"، فيه يصطادون عصافير هي في الأصل موجودة في فلسطين على مدار العام ولا تهاجر، حيث يعتبر الصيادون فصل الصيف موسماً لتكاثرها، فيصيدون فراخها بعد أن تبدأ مغادرة الأعشاش والتحليق في الجو، ومن ثَم يبيعونها في سوق مخصص لطيور الزينة.
ويقول العكلوك: "في موسم الجردي، نضع شباكنا في الأراضي الممتدة على طول ساحل البحر؛ لأن خط سير هجرة العصافير في فصل الشتاء يكون بمحاذاة الساحل تماماً، حيث نقوم بصيد أنواع كثيرة من العصافير، مثل "الخضير" و"البسبوس" و"النعار" و"التفح".
وعن موسم الصيد "البلدي يستطرد بالقول: "في هذا الموسم نركز أكثر على صيد "الحسون"؛ لأنه العصفور المحبب لدى الناس، خاصة الهواة منهم"، مبيناً أن الصيادين يستخدمون أنواعاً من العصافير ذات الفصيلة المنوي اصطيادها بحيث يتم تدريبها على الصيد تكون من نفس الفصيلة التي يصيدونها، ويطلقون عليها مسميات وألقاباً مختلفة.
وأوضح أن عملية الصيد تحتاج لأن يدربوا عصافير من نفس الأنواع التي يتم اصطيادها، فمن العصافير من يتم تخصيصه للتغريد، ويسمى الزعيق وتكون مهمته إصدار الأصوات عندما يرى أسراب الطيور من فصيلته لجذبها إلى الشبكة.
مهنة الرزق و"الموت"
وبين العكلوك أنه اتخذ من صيد العصافير مهنة لكسب المال وتوفير متطلبات أسرته في الوقت الحاضر، مضيفاً: "في الماضي عندما كنت أعمل داخل الخط الأخضر، لم أكن أولي لصيد العصافير اهتماما؛ لأنني كنت أحصل من النقود ما يكفيني ويكفي أبنائي وأسرتي".
واستدرك: "لكن اليوم أنا بحاجة للصيد وما يجلبه من مال ورزق؛ لأن العمل داخل الخط الأخضر من جديد أمسى أمراً ميؤوساً منه".
وحول أسعار العصافير التي يصطادها، قال العكلوك: "أنا أهتم كثيرا في موسم الصيف بصيد الحسون كغيري من الصيادين؛ لأن سعر الذكر منه يزيد أحياناً عن 200شيكل، وذلك حسب مواصفات الجمال والصوت القوي المتوفرة فيه، أما الأنثى من الحسون، فلا يتجاوز سعرها 100 شيكل".
ولا يخفى أبدا عن صيادي العصافير أن مهنتهم هي "مهنة المخاطر والموت المحقق"؛ نظراً لأنهم يتوجهون للصيد في المناطق القريبة من المستوطنات الصهيونية المنتشرة على حدود قطاع غزة، الأمر الذي يحتاج منهم الحذر الشديد خوفاً من أن يكتشفهم جنود الاحتلال ويطلقوا عليهم نيران رشاشاتهم.

