ياسر الزعاترة
منذ أكثر من عامين وشعبنا الفلسطيني يتابع بمرارة ذلك المستوى من التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، والذي يتم تحت إشراف الجنرال الأمريكي كيث دايتون الذي بدأ عمله قبل أوباما، ثم استمر بعده، وصولاً إلى تبشيره بالفلسطيني الجديد الذي يمارس ذلك التعاون بعقل مفتوح وهمة عالية.
خلال العامين الماضيين، وفيما يقبع في سجون الاحتلال حوالي عشرة آلاف معتقل، حدث مراراً أن تاه مستوطنون (الأرجح أنهم كانوا يقومون بمهمات أمنية) في بعض مدن وقرى الضفة الغربية، فجرى اعتقالهم من طرف أمن السلطة، ثم سلموا سالمين غانمين للجهات الإسرائيلية، في مقابل هذا الحنان على المستوطن الإسرائيلي الذي يسرق الأرض ويقمع أهلها، كان أمن السلطة يمارس قسوة رهيبة بحق المقاومين من حماس والجهاد، حيث الاعتقالات والتعذيب الذي أفضى خمس مرات إلى الموت، ومن ثم انتزاع الاعترافات وتحويلها إلى الجانب الإسرائيلي، فضلاً عن سائر أشكال الاستهداف التي طالت خيرة رموز الشعب الفلسطيني.
قبل أيام شاهد الفلسطينيون في بيت لحم واقعة غير مسبوقة أصابتهم بالذهول، وتمثلت في قيام الجنرال آفي مزراحي قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي بجولة في مدينة بيت لحم بحماية مشتركة من الأمن الإسرائيلي والأمن الفلسطيني، الأمر الذي لم يعلق عليه أياً من المسؤولين الفلسطينيين.
هي إذن "جرأة" غير مسبوقة على الإطلاق من طرف قيادة السلطة: الأمنية منها والسياسية، لكن الأسوأ أنها تشير إلى طبيعة هذا "الفلسطيني الجديد" الذي أنتجه الجنرال دايتون، والذي لم يعد يعرف صديقه من عدوه، ما يجعله أقرب إلى الروح اللحدية (نسبة إلى الجنرال أنطوان لحد) منه إلى الروح الوطنية.
المفارقة أن يحدث ذلك في ذات اليوم الذي كان فيه الجيش الإسرائيلي يتوغل في عدد من مناطق الضفة ليعتقل تسعة فلسطينيين من رجال المقاومة، الأمر الذي يتكرر بشكل يومي بعلم ومعرفة ضباط الارتباط في السلطة، لاسيما أن أولئك المطلوبين غالباً ما يتركون لأن الطرف الإسرائيلي يفضل اعتقالهم، فيما يعاود الأمن الفلسطيني اعتقالهم حال الإفراج عنهم، وهي ظاهرة باتت معروفة، أعني تنقل شباب حماس ورجالها بين السجون الإسرائيلية والفلسطينية.
المصيبة بالطبع أن يحدث ذلك كله فيما المستوطنات تلتهم المزيد من مناطق الضفة الغربية والقدس، وفيما يستخف نتنياهو بكل مطالب السلطة ويطرح عليها الشرط تلو الشرط بمنتهى الوقاحة، مثل إصراره في كل مناسبة على اعترافها ب"إسرائيل" كدولة يهودية.
ما الذي يفعله هؤلاء، وإلى أين يسيرون بهذه القضية المقدسة؟ إنهم ماضون من دون تردد في اتجاه الدولة المؤقتة على نصف مساحة الضفة الغربية، من دون الحاجة إلى استعادة قطاع غزة بالضرورة، وهي "دولة الأمر الواقع" التي تحدث عنها سلام فياض وستقوم خلال عامين، مع العلم أن العامين المذكورين هما المدة التي ستثبت خلالها السلطة أهليتها لجوار الدولة العبرية، من خلال تعاون أمني استثنائي يخرج الجيش الإسرائيلي بعده من تجمعات السكان وتزال أكثر الحواجز، وما يؤكد التوافق في الرأي هو حديث الجنرال دايتون خلال محاضرته الشهيرة في معهد واشنطن للشرق الأدنى عن حاجته لعامين اثنين حتى يستكمل تدريب عشرة كتائب من "الفلسطينيين الجدد" تكون قادرة على القيام بمهمات الأمن في كامل الضفة الغربية. هذا هو بالضبط ما يعدنا به قادة السلطة (الأمن للمحتلين مقابل المعونات وتحسين الحياة الاقتصادية للفلسطينيين)، وهي صيغة لا تختلف كثيراً عن مشروع روابط القرى الذي ظهر منتصف السبعينات، فأية نهاية يعدنا بها أولئك؟، مع العلم أن توصلهم إلى صفقة نهائية بعد عامين سيكون أسوأ بكثير، وبالطبع لأنها ستفرّط بأهم ثوابت القضية وعلى رأسها القدس واللاجئين والسيادة (دعك من الـ78 في المئة من فلسطين التي تنازلوا عنها منذ زمن بعيد). ومع ذلك يمكنك العثور عمن يدافع عن هذا البؤس بحماسة لا تختلف عن حماسة أولئك الفلسطينيين الجدد في حماية الجنرال مزراحي.
فأين العقل والضمير بالله عليكم؟

