أ.د يوسف رزقة
المستشار السياسي لرئيس الوزراء
الأقصى يتوجع. الأقصى يشكو إلى الله أمة المليار. الأقصى يتألم المرة تلو الأخرى. الأقصى يصرخ ويذكّر الغافلين: أنا مسرى نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم. هنا في المحراب وقف نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم إماماً بالأنبياء والمرسلين، ومن هنا عرج إلى السماء في رحلة ربانية يتفوق فيها الإيمان على العقل. الأقصى قطعة من الإيمان، لذا لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى.
الأقصى في ظل الاحتلال ليس مسجداً فحسب، بل هو عنوان المسلمين أيضاً. لا قوة للمسلمين إذا كان الأقصى أسيراً، ولا حرية للمسلمين إذا كان الأقصى محتلاً. لم يشعر صلاح الدين بلذة الحياة حتى حرر الأقصى.. لم يتبسم صلاح الدين ضاحكاً حين كان الأقصى تحت أقدام الصليبيين. الأقصى اليوم في ظل جامعة الدول العربية تحت بساطير القردة والخنازير. ساحات الأقصى تدنس فترة بعد فترة بحسب نزوات المستوطنين ومجانين الهيكل المزعوم.
تدنيس ساحات الأقصى جزء يسير من معاناة الدم التي يقدمها سكان القدس، فالدم يراق في كل محاولة صهيونية لاقتحام الأقصى. المقدسيون يدفعون العدو المسلح بصدورهم، وأحياناً بصراميهم، صرامي المصلين فوق رؤوس المحتلين لكن الدم القاني يهراق. (33) إصابة هي حصيلة جولة الأحد 27/9/2009ز الدم لا يتوقف عند هذا الرقم لأن المكر الصهيوني مستمر في عقيدتهم "لا بد من هدم الأقصى"، ولا بد من بناء الهيكل. جولات الدم إذن قادمة. القادة العرب صامتون. القادة المسلمون في البلاد الإسلامية لا ينطقون عادة حتى ينطق القادة العرب. جامعة الدول العربية لا تنطق إلا إذا نطق القادة العرب الكبار. الكبار ينتظرون الناطق الإعلامي باسم الرئيس أوباما، الأخير قد يتأخر، وقد لا ينطق!! دائرة الصمت على التدنيس والدم تلف الجميع. عباس لا يشجب ولم يستنكر ولم يعقد مؤتمراً صحفياً. ما يحدث في الأقصى خطير ولكن الكلام فيه أخطر. عباس يوازن الأمور. كل ما بين يديه غير موزون. الأمور تجري على غير ما يريد. لماذا المواجهة؟! ولماذا الدم؟! الإعلام في غزة والجزيرة والقدس والمنار يتحدث عن جرائم الصهيونية في الأقصى. تلفزيون فلسطين الأقرب جغرافياً إلى الأقصى لا يتحدث. التعليمات تأخرت. الجماهير في غزة تنتفض في مظاهرات ومسيرات غاضبة من أجل الأقصى ومن أجل الدم المراق في ساحات الأقصى. الجماهير في الضفة تعض أصابعها وتلعق جراحها. هي لا تستطيع الخروج في مسيرات من أجل الأقصى. عباس اعتقل المقاومين. يمنع المتظاهرين من التعبير عن آرائهم. المقاومة الشعبية السلمية كما ينادي بها الدكتور البرغوثي ممنوعة من التظاهر من أجل الأقصى لأن فيه خطراً على السلطة، وخطراً على المفاوضات، وفيها متنفس لحماس والمقاومة.
التظاهر من أجل الأقصى ممنوع. وممنوع بث صور المواجهات في المسجد الأقصى. التظاهرات الشعبية نعم لا تحرر الأقصى، ولكنها تخفف من آلامه. مظاهرات رام الله أو نابلس لن توقف نزيف الدم، ولكنها تقوي الروح المعنوية للضحايا.
الروح المعنوية مهمة. نحن في الضفة لا نملك سلاحاً ولا حرية لكي نقاوم، ولكنا نملك روحاً وعاطفة يمكن أن نشد بها رجال الأقصى وحجارة الأقصى. إن أدنى درجات المقاومة أن نصرخ رافضين.
يمكن لعباس أن يصرخ مع المتظاهرين. فماذا لا تصرخ المقاطعة وهي تدعي أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؟! لماذا تدعو العرب إلى عقد قمة طارئة من أجل الأقصى ولا ندعو اللجنة التنفيذية الجديدة لانعقاد طارئ من أجل الأقصى؟! استباحة الأقصى ليست استباحة لمسجد مبارك، وإنما هي استباحة للإسلام. للإسلام حرمة يصونها رجال. إذا غاب الرجال انتهك الأذلاء حرمة الإسلام. جولات الاستباحة ستتكرر، وسيتكرر نزيف الدم حتى يأتي الرجال. رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

