الرأي_أسماء الصانع:
جرائمٌ بشعة لا حصر لها استطاعت عدسات الكاميرا التقاطها وبثها على شاشات التلفزة فور حدوثها، لكن تبقى مشاهدٌ خفيّة تحت الركام ، وأصوات لم تسجلها أي كاميرا، يرويها المصابون والجرحى الذين نجوا من الموت، وخرجوا أحياءً من تحت أنقاض البيوت المهدّمة بعد أن كُتِبَتْ لهم الحياة من جديد.
مجازر عديدة اقترفتها آلة الحرب وهدم لبيوت "آمنة" أسفر عن قتل عائلات فلسطينية بأكملها، أشدها إجراماً كانت "لعائلة البطش"، الذين ارتقى منهم ثمانية عشر شهيداً إلى الجنة وما يزيد عن أربعين إصابة، بعد أدائهم صلاة العشاء والتراويح.
مراسلة "الرأي" التقت بمن تبقى من عائلة البطش الذين خرجوا من تحت أكوام الحجارة، يصفون الموت الذي رأته أعينهم لحظة المجزرة، ووثقت شهادات الفقد والألم والصمود لهم.
شهادة رقم "1"
الحاجة "نعمة البطش" سبعينية العمر، تروي حكايتها لحظة المجزرة البشعة التي وقعت في حي التفاح بالقرب من مسجد الحرمين قائلة:" صليت العشا والتراويح، وقعدت أدعي للمجاهدين، فجأة سار قصف عنيف وشفت الدنيا لمعت، وحيطان البيت وقعت علينا".
تتابع وعيونها تدمع:" حسيت ايدي ولعت فيها نار، الكهرب قطعت وما قدرت أشوف اشي، والدخان والغبار دخلوا تمي، ومش قادرة أتنفس".
كانت تلك الحاجة التي ترقد على إحدى أسرة مستشفى الشفاء الطبي في غزة، والمصابة بجراح متوسطة بيدها، تتساءل بغضب ما ذنبنا كي يدمّر منزل على رؤوسنا دون سابق إنذار،ومعظم من بداخله من الأطفال والنساء.
ما زالت ذكريات أبنائها وأحفادها عالقة في ذهنها، حاولتُ أن أحصي عدد الشهداء الذين فقدتهم تلك الحاجة، كل لحظة تذكر لي اسم شهيد تحدثني عنه تارة يكون ابنها، وأخرى يكون حفيدها، "آمال، ماجد، بهاء، جلال، خالد، إبراهيم، محمود، سماح، مروة، منار، آمال ابنة العام ..وغيرهم" كوكبة من شهداء آل البطش ما زالت حاضرة في قلب الحاجة نعمة.
ماذا كنتِ تفعلين في الوقت الذي كنتِ فيه تحت أنقاض المنزل تنتظرين نجدة أحد؟ تجيب الحاجة نعمة قائلة :" كنت بتوقع تسير ضربة تانية وأستشهد، ضليت أردد بصوت عالي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله".
شهادة رقم "2"
في ذات الغرفة كانت تجلس آمال البطش بجانب الجريحة الحاجة نعمة، تدلي بشهادتها وقت المجزرة، حيت تسكن آمال في بيت قريب للبيت الذي تم استهدافه وتدميره بالكامل، فتقول: " بعد ما صليت العشا رحت عالمطبخ أشرب مية، مسكت الكاسة وقبل ما أشرب، البيت اهتز من صوت الانفجار الكبير، وقطعت الكهربا، وبطلت شايفة اشي".
"آمال" كانت في الطابق الثاني من المنزل الذي تعيش به، لم تكن تعرف ما طبيعة القصف، وأي منزل هو المستهدف، الكل في تلك اللحظة العصيبة لا يستبعد نفسه من أن يكون هدفاً لصواريخ الطائرات العمياء.
تتابع حديثها:" أخدت أنادي على أطفالي وأجمع بهم واحد واحد، وبسرعة نزلنا على الدرج، وصلت على باب البيت، وبطلع قدامي وعرفت انو القصف كان بيستهدف منزل "أبو بهاء".
ماذا رأيتِ بالضبط، صفي لنا المشهد في لحظاته الأولى، وكيف كانت ردة فعلك؟ تجيب آمال:" شوفت اللي عمري ما شفتو بحياتي، كل المكان أشلاء ممزقة، وجثث متطايرة، الأرض الحيطان والشارع ملطخ بالدم، مشاهد ما بتنتسى، كلهم أقربائي".
أصعب منظر أوجع قلب "آمال" رؤية أجساد النساء والـأطفال أشلاء ممزقة، تتابع حديثها مستحضرة قوتها وثباتها لحظة رؤيتها المجزرة: "اقتربت من الجثث، وما خفت ولا نونة، ربنا منحني القوة والثبات، وسرت أحمل في الجرحى، ودخلت معهم في سيارة الإسعاف".
تكمل العمة "آمال" مستذكرةً اللقاء الأخير الذي جمعها مع ابن أخيها الشهيد "إبراهيم" فتقول:" قبل المجزرة بدقائق أجا عندي إبراهيم، فطلبت منو يضل عندي، لكن ما رضي وروّح أول ما وصل البيت سار القصف واستشهد".
شهادة رقم "3"
انتقلنا إلى قسم آخر في المستشفى، والتقينا بأم محمد البطش التي استشهد أبناؤها "قصي ومحمد"، وكانت قد ودعت قبل عامين زوجها الشهيد "عصام البطش".
كان يرافق أم محمد طفلها الصغير ابن الأربعة أعوام "عبدالرحمن" يمسك بيدها مندهشاً مما يحصل، فتقول:" ما ضل الي غيرو، كل شوي بيسألني وين أخوتي محمد وقصي وين راحوا؟، ليش احنا قاعدين في دار سيدو ، يلا نروح عدارنا".
هذا الطفل اليتيم والوحيد لأمه لقد ملأ قلبه الشوق والحنين لأخوته الشهداء ومنزلهم الذي غدرت به الطائرات الصهيونية ودمرته.
شهادة رقم "4"
"رجاء البطش" والدة الشهداء الأربعة "يحيى" ، وأنس ابن عشر سنوات، وابنتها سماح التي تحمل في بطنها جنيناً في شهره الرابع التي ارتقت شهيدة مع زوجها "بهاء"، إضافة إلى زوجها المصاب بجراح متوسطة، وابنها "زكريا" الذي ما زال في العناية المركزة جراء إصابته بجراحٍ خطيرة، وكانت تلك الأم الصابرة قد فقدت قبل عامين ابنها الشهيد "صبحي".
ما زالت دماء أبنائها الشهداء تنبض في عروقها، بطمأنينة المؤمنين الصابرين أخذت تردد والدة الشهداء "الحمد لله"، وتضيف كل أولادي راحوا، بتمنى من ربنا يتقبلهم، ويشفي ابني اللي في العناية المركزة، وزوجي".
تصوير/ ضياء الأغا

