ملفات خاصة » ملفات خاصة

الناجون من القصف .. شهداء على الجريمة وسط التشبت بالحياة

04 آب / أغسطس 2014 04:34

غزة - الرأي- دعاء عمار:

إن لم يكن حضن الأم هو الأكثر أمانا في العالم فأي مكان قد يكون!، وحين يفقد الطفل أمه فأي إحساس بالحب والطمأنينة بعد ذلك، هكذا هي الحال مع الكثير من الأطفال في قطاع غزة خلال العدوان الإسرائيلي عليه، أمهات تقتل وأطفال تيتم، يفقدون أشقاءهم ولا يعرفون فإصابتهم الخطرة لا تسمح لمن حولهم إخبارهم بحقيقة الواقع الذي أصبحوا عليه الآن.

ثلاث فتيات جميلات رأيناهم في مستشفى شهداء الأقصى، ليس ما أصاب جسدهم هو الأخطر، ولكن إصابات روحهم هي الأقسى بعد فقدهم لوالدتهم في فجأة من الزمن، فما الذي كانوا يفعلونه في آخر لحظاتهم معا، هل كانت تعد لهم الحلوى، أم تقص عليهم حكايا الانتصار، أم تعدد عليهم ما خرج والدهم لشرائه لهم، ربما نسمح لخيالنا بالبحث عن أشياء أخرى كانوا يفعلونها معا، ولكن الأكيد أن ذاكرتهم ستحتفظ بلحظات القصف، وإصابة والدتهم أمامهم، وما أصعبها من ذكريات على فتيات لم يبلغ عمر الكبرى منهم خمس سنوات.

رهف ورغد ورتاج أبو عابدة، ما زالت رهف ترتجف وتشهق بين الحين والآخر، فهي الأكثر وعيا وتأثرا بلحظات القصف واستشهاد والدتها، لم نتحدث معها فما زالت تحت تأثير الصدمة، لكن قريبتها إيمان والتي رافقتهن للمستشفى تقول "كانوا يجلسون في منزلهم مع والدتهم، في الطابق العلوي بينما تقطن جدتهن في الطابق السفلي، حاولت جدتهن مع أمهن كي ينزلن عندها لكن الأم فضلت البقاء في المنزل"، لا أحد يعرف أسبابها لكن بالتأكيد أن قدرها هو الذي جعلها تصر على البقاء في منزلها كحق طبيعي لأي إنسان أن يبقى في منزله، موضع الأمان والراحة بالنسبة له.

في نفس السياق وعلى العكس من سابقتها فضلت عائلة أخرى ترك منزلها المستهدف واللجوء إلى إحدى مدارس الأونروا كي تحظى ببعض الهدوء بعيدا عن أصوات القصف وتهديدات القذائف، لكن العدوان الإسرائيلي لم يترك لهم مجالا للأمان، فتم استهداف المدرسة التي سكنوا إليها و هناك تكررت الحادثة والمأساة، فالطفل إبراهيم الشينباري أصيب في القصف، واستشهد شقيقه وما زال لا يعرف بذلك.

لم تنتهي القصص بعد، ومجددا من داخل المنازل الآمنة ومن أحضان الأمهات يستهدف الأطفال، وهنا يرسم القدر مشهدا آخرا في حي الشجاعية، فربما يذكر جميعنا تلك الصورة لسيدة مسنة وبعض الأشخاص معها وقد فارقتهم أرواحهم في بركة من الدماء تحت درج منزلهم الذي ظنوه أكثر الأماكن أمنا وبعدا عن القذائف، تلك عائلة الشيخ خليل ومنها الطفلة مها ابنة السنوات السبع التي فقدت والدتها وشقيقتيها وعمها وزوجة عمها وجدتها، وما زالت تسأل من حولها أي أشخاص فقدنا من عائلتنا.

كانت مها مع أهلها عند استهدافهم بالقذائف المتتالية في صباح باكر، حاول الأب جعل أسرته تركض هاربة من القذائف ولكن لم ينجح في دفع الجميع لذلك، نجى منهم من تشجع خارجا تحت القصف، بينما أصيب الباقون من أثر القذائف وامتلأ المكان بالدماء، فظن الأب حامد الشيخ خليل أنهم قد فارقوا الحياة فحمل من ظن أنها الأكثر حظا بالنجاة من بناته واتجه نحو سيارة الإسعاف لكنها لم تنجو بعد ذلك.

شقيقة مها فأصيبت في فكها الأسفل إصابة بالغة وبقيت تركض كذلك مسافة طويلة حتى التقطتها إحدى سيارات الإسعاف في المنطقة، وبقيت مها حتى تم إسعافها بعد ذلك، أما أسرتها فاستشهدت نتيجة النزف المتواصل لست ساعات دون تمكن الإسعاف من الوصول إليهم.

لا تتحدث مها كثيرا، ولا يمكن معرفة شعورها فهي لا تعرف أي شيء عن كل تلك الإصابات إلا من حديث متناثر ممن يزورها مع مرافقيها فباتت تسأل من هم هؤلاء الشهداء، ولصعوبة وضعها الصحي لم يقدر أحد على إخبارها بعد.

هؤلاء هم مستقبل فلسطين، وأمل غزة القادم، ترى أي غد ينتظرهم، وأي حياة تلك التي أراد لهم الاحتلال عيشها دون أقرب الناس منهم، الأم أو الأخ أو في بعض الحالات الأسرة بكاملها لا يبقى منها إلا شخص واحد فقط، لكنه بالتأكيد سيحيام الحياة التي يريد هو كيفما أراد، ويرسم طريقا للثأر كي يزين بها قصصه عن تلك الجرائم حين يقصها على أجيال من بعده.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟