غزة - الرأي- عدلات الشيخ:
"يرتدي قميص أحمر وبنطلون قصير" تلك الكلمات التي بُثت عبر وسائل الإعلام باسم الطفل المفقود أنس عاهد أبو القمبز البالغ من العمر أحد عشر عاما.
الطفل أبو القمبز فقده ذويه وهم يهربون من الموت إلى النجاة بحي الشجاعية وقت تبعثر الجثث على الطرقات وتحت الأنقاض!, وشاءت الأقدار بأن يعود إليهم سالماً بعد مرور ثلاثة أيام على فقدانه في منزله بين نيران المدافع وقصف الطائرات.
وتضيف جيهان أبو القمبز (22 عاماً) وهي تسرد من مخيلتها يوماً لن ينسى من ذاكرتها: "يوم السبت في الساعة الحادية عشر ليلاً تلقينا إنذاراً بإخلاء المنزل فوراً، وحرصا منا على حياتنا انتقلنا إلى بيت عمي الذي يبعد عن بيتنا بعض الأمتار عله يكون أكثر آمناً" .
وتتابع: "ولكن هيهات لنا مع عدو لا يفرق بين الحجر والبشر فتفاجئنا باشتداد الضرب ومحاولة دخول الدبابات العسكرية، فاضطر أهالي الحي بالفرار من بيوتهم تحت أصوات المدافع حفاة دون رحمة منا لصغير أو كبير، شيخ أو امرأة الكل يجري أملاً بالنجاة بحياته".
الخروج للنجاة
"في تمام الساعة السابعة صباحاً ووسط هذه الأصوات قررنا الخروج من المنزل للنجاة بأرواحنا مع أهالي الحي، وكان أخي "أنس" نائما فأيقظته وطلبت منه الخروج معنا، فخرج معنا وكنا نجرى بدون وعي ودون أحذية، ثم تصمت برهة وتتذكر المشهد ونحن في وسط الطريق افتقدت أخي أنس فقالوا لي لقد سبقك أنس فأكملت المسير بين الجثث والأشلاء المقطعة الملقاة في الطرقات التي لن تمحى من ذاكرت". تقول جيهان.
وتردف جيهان: "وما إن وصلنا إلى مستشفى الشفاء حتى تأكدت من فقدان أخي فأصابني هاجساً مريراً، ولم نستطع فعل أن شيء ونشرنا مناشدة عبر إذاعة صوت الأقصى ولكن دون جدوى، وبقينا على هذه الحال لمدة ثلاثة أيامٍ متتالية دون أن نتلق أي اتصال من أحد يخبرنا عن حاله، نظراً لإغلاق المنطقة ومنع دخول الإسعافات أو طواقم الدفاع لكشف مكان الطفل وسط ركام المنازل المدمرة".
وتابعت حديثها قائلة: "لقد ماتت أمي وتوارت تحت الثرى فبكيت فراقها وفقدت حنانها؛ لكن مشيت في الحياة وتجرعت كأس الألم ورضيت بما كتبه الله لي ووهبت حياتي لأخوتي وتحملت مسئوليتهم وكنت لهم أماً خاصة أنس الذي توفت أمي وهي توصيني عليه فبكيت يوم فقدانه مثلما بكيت يوم وفاتها لأنه كان وصيتها وشعرت أنني لم أحفظ الوصية".
هدنة وبشرى
وتكمل: "لكن إرادة الله ورعايته فوق كل شيء، فما إن أعلن الاحتلال عن هدنة لساعات لانتشال الشهداء والجرحى وكلنا شوق لمعرفة مصيره حتى جاءتنا البشري عندما شاهده أحد المعارف في الحي أنه على قيد الحياة وبأحسن حال وتوجهنا لاستلامه وسط سعادة غامره باستعادته بعد أن فقدنا الأمل فى العثور عليه، فعادت لي الروح من جديد" .
بدوره، تحدث أنس وقد ارتسمت على ملامحه ابتسامة البراءة والطفولة: "عندما طلبت مني أختي الخروج معها لم استطع اللحاق لشدة النعاس،فعدت إلى البيت لأنام لأني كنت اشعر بالنعاس ولم استطع المسير معهم دون أي اهتمام لصوت القصف".
ويقول: "استيقظت من نومي عصراً فتوجهت إلى بيت عمي وطرقت الباب فلم أجد أي شخص، وإذ بي أجد أحد أقاربنا فأخذني إلى بيته وبقيت معه طوال الثلاث الأيام نصوم نهارنا ونقضى الوقت كله بالصلاة والدعاء، محاولاً أن ينسيني صوت القصف المدفعي وقصف الطائرات الذي لم يتوقف ولكن رعاية الله وحفظه هو من حمانا إلى أن جاء يوم الهدنة والتقيت بأهلي".
ومن المواقف المضحكة التي ذكرها أنس أنه قد احتاج للبيض فتوجه إلى منزله رغم القصف المستمر واحضر البيض ليأكله دون أي اهتمام معتمداً على رعاية الله .

