غزة - الرأي -ابتسام مهدي:
كلمات تحدث بها قديما الشاعر محمود درويش"أحن إلى خبز أمي" , وفي القطاع حن الغزاويين إلى خبز أمهاتهم, فمنذ منتصف الحرب، بدأ قطاع غزة يشهد نقصاً واضحاً في كمية الخبز التي يتم إنتاجها, فأغلب المنازل والمخابز تفتقر لوجود الكهرباء والسولار اللازم لتشغيل أفرانها.
يوميا يصطف الآلاف قبالة أبواب المخابز لساعات طويلة في انتظار الحصول على بضعة "أرغفة"، ليسدوا بها جوعهم، معرضين أنفسهم للخطر بسبب القصف المكثف والعشوائي من قبل طائرات الاحتلال "الإسرائيلي".
كلما كانت الطائرات تقصف هدفا قريبا، كانت الأرض تتحرك تحت أقدام المصطفين في طابور أمام أحد المخابز في منطقة المعسكر بمدينة خان يونس جنوب قطاع,والذي يظهر عددا لا بأس به من الصغار في الطابور.
أحد الأطفال ياسر القدرة (8 أعوام) كان يشد تمسكا بثياب شقيقه الأكبر كلما اشتد صوت القنابل، فيما يصبره شقيقه الذي يتقدمه في الطابور بكلمات"عدو إجى دورنا".
ولأكثر من ساعتين انتظرا الطفلين وهما واقفين على أقدامهما أمام مخبر" الشام " في انتظار شراء حزمة خبز تبلغ قيمتها سبعة شواكل ، وبمجرد أن تسلما الحزمة أمضيا نصف ساعة مشيا على الأقدام وصولا إلى منزلهم في منطقة العرايشيه.
ويقضي المواطنون ومنهم كبار سن من الرجال والسيدات والأطفال ساعات طويلة في طوابير الانتظار, ولم يتغير الوضع كثيرا بعد سريان التهدئة فمازال الكثير يقف بانتظار دورة, ولكن زال الخطر والخوف من استهداف قوات الاحتلال لهم .
قوت يوم واحد !
ومنذ أكثر من ثلاث ساعات يبحث المواطن محمود داود" 35عاما " على مخبز, يكون عدد المصطفين فيه قليل فعملة في أحدى المؤسسات الإغاثية, لا تسمح له الانتظار كثيرا أمام المخابز للحصول على ربطة خبز تكفي عائلته وعائلة أخته التي نزحت إلى منزله.
ويقول :" من الصعب أن أضيع ساعتين كل يوم وأنا أقف أمام المخبز, فعملي بالإغاثة يجعل جل وقتي مشغول, ولا يوجد لدي أطفال يمكن أن أعتمد عليهم ليقفوا بالطابور في انتظار الدور, لذلك طوال فتره تنقلي ما بين مراكز الايواء وبيوت النازحين أبحث عن مخبز يكون فيه طابور الانتظار فيه قليل, وحتى الأن لم أجده".
يــذكر داود أن طوابير الانتظار طويلة كثيرا أمام المخابز, سيضطر غدا إلى جعله زوجته أو أخته تقف في المخبز القريب من المنزل, لتحصل على الربطة إذا أستمر هذا الحال, وخاصة مع انقطاع التيار الكهربائي وعدم قدرة جميع المخابز على العمل باستخدام السولار المكلف لهم, مع الحفاظ على سعر الربطة.
ولم تستطع المواطنة حمدية عايش اعداد الخبز الذي اعتادت على صناعته كل يومين مرة, فانقطاع التيار الكهربائي لليوم الخامس على التوالي, عن مسكنها بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة, مما اضطرت إلى إرسال أبنائها إلى المخابز من أجل شراء الربط الجاهزة, حيث يصف ابنين لها في مخبزين مختلفين .
فعدد أسرتها المكونة من 10 أفراد لا تكفيهم في اليوم ربطة واحدة, رغم اجتهادها في تقسم الخبز عليهم وتحديده, ومشاركة الأرز لاغلب وجبة الغداء كنوع من التخفيف من استخدام الخبز, مؤكدة أن الأوضاع تزداد سوءا، إضافة إلى نقص المواد التموينية من منزلها, فزوجها لم يعمل منذ بداية الحرب.
تخطٍ للأزمة !
بينما لجئت العديد من النسوة إلى استخدام فرن الطين في إنتاج الخبز, فتملك المواطنة سعدية الأسطل" 42"عاما", فرن طين في منزلها لتستيقظ كل يومين منذ الصباح الباكر استعدادا لإشعال الفرن, وتتوافد عليها جارتها لإنتاج خبزهم, فابنته عمتها والتي تسكون في منطقة الكتيبة وسط المدينة تذهب لها كل أربع أيام حاملة فرش الخبز لإنتاجه عندها .
وتبين أنها خلال الحرب كانت تشعر بالخوف الشديد من الاستهداف أثناء تنقها ما بين منزلها ومنزل قريبتها, ولكن الحاجة لخبز الخبز تجعلها تضطر إلى الذهاب لها, واليوم بعد التهدئة تشعر بشيء من الاطمئنان, وتنوه إلى أنها كانت تأخذ خبزها وخبز جارتها أخت زوجها, فالوضع الاقتصادي لا يسمح لهم بشراء الربطات من المخبز, ولا يمكن الاستغناء عن الخبز.
أما المواطنة حمدية سعف "45 عاما " فعانت من انقطاع التيار الكهربائي, بعد أن قامت بتحضير الخبز ولم يسعف لها خبزه, فوقفت حائرة في كيفت التصرف حيال الأمر, ليقوم ابنها بإشعال حفنه من الحطب ووضعه في وعاء من الألمنيوم ووضع حديدة فق الوعاء, وهي التي يتم استخدامها في طناجر الكهرباء التي يتم إنتاج الخبز فيها .
وأضافت:" لم أكن أتوقع نجاح الأمر, ولكن تفاجأت بأن ابني حول أجزاء من طنجرة الكهرباء, إلى طنجرة تستخدم على الفحم لإنتاج الخبز, على الرغم من صعوبة الأمر لأنه بحاجة كل عشر دقائق إلى تهوية الفحم لرفع درجة حرارته,ولكن رغم المعاناة في صنع الخبز إلا أنني تخطيت المشكلة بصبري عليه وإنتاجي للخبز"
كارثة إنسانية
وبدوره ، أكد الخبير الاقتصادي الفلسطيني, ماهر الطباع, أن نحو مليون و800 ألف مواطن في قطاع غزة مقبلون على كارثة إنسانية جراء استمرار انقطاع التيار، دون أفق للحل القريب، بسبب قصف محطة التوليد، ما يعني أن الأزمة ستبقى مستمرة إلى ما بعد الحرب.
وأضاف "إن القطاع يخضع الآن لسياسة العقاب الجماعي, كما أن غزة ستواجه تداعيات خطيرة وكارثية، وخصوصا على محطات المياه ومزودي المواد الغذائية، وخاصة المخابز"، لافتا إلى أن الأزمة ستطاول آلاف المصابين في المستشفيات.

