غزة - الرأي- أسماء الصانع
ألف حكاية مؤلمة وقصة إنسانية مؤثرة لأطفالٍ ونساءٍ وشيوخ في مجزرة الشجاعية التي ارتكبها الاحتلال "الإسرائيلي" في عدوانه الهمجي على قطاع غزة، الذي استمر لأكثر من أربعين يوماً.
عائلاتٌ آمنة في بيوتها استيقظت على صوت القصف العشوائي الذي دمر بيوتاً بأكملها وحولّها إلى أكوام حجارة في بضع دقائق على من يحتمي بداخلها من الأبرياء الذين لم يجدوا حينها مغيثاً لهم سوى الله.
مجزرة الشيخ خليل
جرائم إبادة جماعية بحق آلاف العائلات، كان من بينها مجزرة "إسرائيلية" بشعة بحق عائلة "الشيخ خليل" التي ارتقى فيها سبعة من الشهداء، وعشرات الإصابات، من بينهم إصابة الطفلة "مها" ذات السبعة أعوام بجراح خطيرة أدت إلى إصابة جسدها بالعجز التام عن الحركة إثر اختراق شظايا لرقبتها.
"مها" كغيرها من الضحايا الأطفال الذين لم ترحمهم صواريخ وقذائف الموت، فعاثت بأجسادهم الليّنة نيران الشظايا، آلةُ حربٍ "إسرائيلية" حاقدة استباحت طفولتهم الهادئة بالقتل والإبادة، واغتالت ابتسامتهم في ليلٍ حالك السواد.
كعصافيرٍ مغرّدة رحل أكثر من أربعمئة طفل في غزة شهداء إلى الجنة يشكون لرب السماء ظلم الاحتلال "الإسرائيلي" وسفكه لدماء الأبرياء بغير حق، هم شهداءٌ أحياءٌ عند ربهم يرزقون، وهم أيضاً شهود على مجازر الاحتلال، ستظل دمائهم وأشلائهم المحترقة لعنةً تطارد الاحتلال إلى يوم يبعث الناس أجمعين.
آهات الجرحى!
وإن كانت معاناة وآلام الشهيد ترحل معه، إلا أن الحال مختلفٌ مع الجرحى ذاك العالم الممتلئ بالأوجاع والآهات، أكثر من ثلاثة آلاف طفل جريح في غزة يئن ويصرخ، لا يدرك أحدٌ حجم ألم جراحاهم الغائرة سوى من حاول جاهداً أن يجفف دمعة واحدة لطفل يصرخ بأعلى صوته من شدة وجعه دون فائدة، أحدهم فقد بصره، والآخر بُترت قدمه، وآخر شظيةٌ أصابته فأورثت جسده شللاً.
شظية شلّت جسدها!
إحدى القصص المؤلمة التقطناها للطفلة مها الشيخ خليل التي تستلقي على إحدى أسرة مستشفى الشفاء الطبي لا تحرّك أيّاً من أعضاء جسدها الطريّ، بعد أن اخترقت رقبتها شظية أوقفت حركتها نهائياً، وشظية أخرى اخترقت ظهرها الذي لا يقوى أحياناً على حمل حقيبة المدرسة.
وحسب تشخيص الأطباء فإن حالة "مها" حرجة جداً، حيث تعاني من صعوبة بالغة في الحركة نظراً للإصابة المباشرة التي تعرض لها النخاع الشوكي في جسدها والكسر في العمود الفقري، وهي بحاجة إلى رعاية دقيقة.
ما يقارب شهر بأكمله لم تتمكن "مها" من رؤية أي شيء سوى سقف الغرفة التي تجلس بداخلها في ذاك المشفى، عيونها فقط من ترقب تفاصيل الحياة وتسجل في دفتر الذكريات أياماً وليالٍ قاسية بعد إصابتها الخطيرة.
سفرٌ مؤجّل
شهرٌ بكاملِ أيامه وساعاته ودقائقه الصعبة من الألم والمعاناة القاسية وما زالت "مها" حتى هذه اللحظة على أمل السفر للعلاج في إحدى المستشفيات في الخارج، تنتظر بأسى أحداً يرق قلبه لها ويشفق على بكائها وصرخة ألمها بأن رأسها أنهكه الصداع.
"مها" ما زالت تأمل لحظة شفاء عاجلة تردم أوجاعها وتعيد حركتها التي سلبها الاحتلال المجرم، تنتظر استجابةً لصمتِ جسدها الهزيل الذي تذوق الموت ألف مرّة وأكثر، وتنتظر أحداً يوقّع على تحويلة السفر المؤجلة أكثر من أربع مرات بعد رفضها في كل مرة.
ذاك المحتل لم يكتفِ بشلِّ حركة "مها"، وحرمانها من اللعب والمرح والضحك كبقية أطفال العالم، فحرمها من حنان أمها الذي لن يعوضه أي شيء، سلبها يداً حانية وقلباً كان بالإمكان أن يخفف ألم إصابتها.
رحيل الأم
التاسع عشر من يوليو لعام ألفين وأربعة عشر، تاريخٌ أسود في حياة "مها" الصغيرة التي فقدت فيه كل شيء، تصارع معاناة الشلل ومرارة الشوق والحنين لرائحة أمها الشهيدة "جواهر" التي تتمنى لو أنها تقف إلى جانبها، تبعث النور والدفء إلى قلبها الذي ما زال ينبض بالحياة رغم استقرار شظية الموت في رقبتها حيث جعلت جسدها صامتاً عن الحركة.
"مها" بعد أن تسترد حركة جسدها الناعم ويمن الله عليها بالشفاء، سيكون صعباً عليها استيعاب نبأ استشهاد سبعة من أفراد عائلتها هم أمها وأخواتها الاثنتين وعمها وعمتها وجدتها وزوجة عمها، لكنها بكل تأكيد ستبقى شاهداً حياً على مجزرة الشيخ خليل إحدى عشرات المجازر التي ارتكبها الاحتلال "الإسرائيلي" في حيّ الشجاعية وغيرها.
شاهدةٌ على المجزرة
سيصل صوت "مها" إلى كل أحرار العالم، وستروي لهم تفاصيل معاناتها التي عايشتها لحظة بلحظة، منذ أن هدم الاحتلال منزل عائلتها عليهم دون سابق إنذار إلى ما تختزنه ذاكرتها من مشاهد قاسية لا يحتملها جيش بأكمله.
بقيت "مها" على قيد الحياة شاهدة على المجزرة؛ لكي تفضح الاحتلال كيف قتل أمها أمامها، كيف حرمها من اثنتين من أخواتها (هبة وسامية)، وكيف ألقى بها مشلولة على سرير الشفاء دون مجيبَ؟!

