غزة – الرأي - آلاء النمر:
لملمت الشمس أذيالها ورحلت عن غزة مودعة إياها بلقاء جديد علّه يكون قريب ,لتتركها وأهلها يغرقون في حلكة الظلام الممتزج بأصوات الانفجارات التي لا توقف لضجيجها، ساعات طويلة بصحبة الخوف والموت وغارات طائرات الغدر الصهيونية لترسم مشاهدا من الموت الممتزج بأكفان الشهداء وركام البيوت المدمرة يعيشها كل من يقطن بقطاع غزة.
أمر بالإخلاء الفوري تلقاه برج "الظافر" السكني يحتوي على ما يزيد عن خمسة وأربعين شقة سكنية لمدة أقصاها خمسة عشر دقيقة لإخلائه تماما من ساكنيه. محمد السقا الصحفي في وكالة الرأي الفلسطينية صاحب شقة سكينة في الطابق العاشر من البرج السكني والذي أصبح يمتلك بيتا منكوبا كالكثير من أبناء شعبه في غزة، حيث يقول: "كنت أجهز نفسي لزيارة صديقي المصاب بمستشفى الشفاء، وما أن وصلت لبوابة البرج حتى أشارت لي زوجتي بيدها من الطابق العاشر منوهة لي بأن نساء البرج يخرجن بملابس الصلاة، تابعت الأمر على عجل حتى علمت أن عدة شقق سكنية تلقت اتصالات من جيش الدفاع "الإسرائيلي" لإخلائه من ساكنيه".
يتابع السقا: "الاتصال الأخير من جيش الدفاع جاء على هاتفي بعد التأكد من هويتي وتعريف المتصل بنفسه بأنه من جيش الدفاع الإسرائيلي قائلا لي سنقوم بنسف البرج هل بقي بداخله أحد؟ ، قلت له انتظر بداخله عجوز لا أقارب لها في الداخل، فمضيت مسرعا بإخراجها ومشيت بها على بعد 500 متر عن البرج منتظرين ما سيحدث"! 500 متر لم تكن بمسافة كافية بالابتعاد عن البرج ولم تكن المكان الآمن للمواطنين، فما حدث له لم يكن يتخيله عقل بشري في الوجود، وكان يوم القيامة قد حل بحي تل الإسلام العظيم المكتظ بالأبراج السكنية.
الطابق العاشر في برج الظافر أصبح يحط في الطابق الأول والبقية في باطن الأرض, حيث تعرف السقا على منزله من ألوان ستائر بيته الملونة بسواد الركام ليتمكن وحده من جمع أوراقه الثبوتية والرسمية. السقا وصف ما رآه بعينيه قائلا: "مررت بثلاث حروب بغزة، ولكن حرب 2014م الحرب الأولى التي لم أعهد أصوات انفجاراتها ولا أشكال الدمار الذي حل، فقد سقط صاروخ طائرة الاستطلاع أولا ومن ثم نسف البرج بقنابل ذرية اختفى على أثرها مع الضباب والغبار والدخان".
السقا وسكان البرج أجمعوا بأن لا يتركوا البرج بعد نسفه، وأنهم سيقومون بإقامة الخيام للإقامة بجانب برجهم حتى يعلم المحتل بأن شوكة السكان والموطنين الغزين لا تكسر حتى لو نسفوا كل ديارهم عن بكرة أبيها.
برج الظافر والذي شيدته عائلة مذكور تأسس عام 1996م والذي استغرق بنائه ثلاث سنوات، ويحتوي البرج على مآرب للسيارات، وسوبر ماركت ومصعدين وطوابق سكنية كل طابق يحتوي على أربع شقق سكنية. ويقول رئيس إدارة البرج عامر الجعفراوي أن الشقق السكنية عبارة عن شقق ملّاك لأصحابها، متعجبا من صمود الناس بعد أن في بيوتهم الدمار الكامل، وعندما أصبت بذات البلاء الذي أصيب به آلاف المواطنين بغزة شعرت بالعزة ذاتها وبأنفاس الصمود الأطول.
برج الظافر والذي خرجت منه إحداهن تهرب من الموت حاملة أطفالها دون وعي يحتويها غافلة عن ذهبها ومالها وأوراق عائلتها، لتنجوا من الموت وتنجي برفقتها أطفالها. أما آخر والذي كان قد تملك شقتين فاخرتين في ذات البرج وقبل أن ينتقل للسكن بداخلها حلت مجزرة الشجاعية ليودعها لعائلة مهجرة من عائلة عياد بداخله ثم بعد أن هدأ الدخول البري عادوا لبيوتهم وأغلق شقته، ولم يعد لها، أغلق شققه لتنسف أخيرا برفقة البرج الذي اختفى عن وجوده.

