غزة – الرأي -دعاء عمار:
تخيل أنك تجلس في مكان خال إلا منك، يحيط بك جنود الاحتلال من كل جانب، النهار سجن وحيرة، والليل صاخب الأصوات مليء بالحركة على غير عادته، لكنها حركة مخيفة، دبابات وقذائف، طيران ورصاص، اشتباكات تكاد تذهب بكل من في محيطها دون إذن أو إخطار.
هذا المشهد ليس من وحي الخيال بل حقيقة واقعية يعبر عن حال الحاجة فاطمة التي ارتسمت على ملامح وجهها سنوات عمرها التي تجاوزت الستين عاما برفقة والدتها والتي قاربت على المائة عام، من منطقة الزنة شرقي خانيونس، حيث رفضت كل محاولات الخروج من بيتها مع شقيقها وأسرته إلى مدرسة أكثر أماناً من منزلهم الذي طالته القذائف وحاصرته قوات الاحتلال فيما بعد لأيام طويلة قبل أن تنسحب منه مخلفة دماراً هائلاً لم يكد يترك منزلاً دون إصابته أو هدم بعض جدرانه أو جعله أثراً بعد عين.
أجواء رمضان كانت ما تزال عابقة، نعرف جميعاً أن المسنين هم الأكثر حباً وقرباً من رمضان بأجوائه وتراويحه وصلواته، لكن الحاجة فاطمة حرمت من ذلك كله، وحتى لمّة العائلة على الإفطار والسحور لم تسعد بها وبقيت برفقة والدتها التي لا تستطيع حراكا.
بحثنا عن الحاجة فاطمة كي نتحدث إليها فلم نجدها، لكنا وجدنا والدتها وابن شقيقها "تقي الدين" الذي حدثنا عن حالهما فقال "في اليوم الذي خرجنا فيه من المنطقة رأينا النهار في عز الليل الحالك، الشمس تطلع في منتصف الليل لكثرة القذائف والإضاءة حولنا، لم يكد يطلع النهار الحقيقي حتى استطعنا ببعض المساعدة الخروج من المنزل وحاول أبي إخراج عمتي وجدتي عدة مرات، فعندما فشل في اخراجهما، خرج بنا ثم تمت محاصرة المنطقة ومنع الدخول أو الخروج منها، ناشدنا الصليب الأحمر فلم ننجح أيضا بإخراجهم من المنطقة وبقوا فيها لعدة أيام".
كانت الحاجة فاطمة كما يخبرنا تقي الدين، تخرج نهارا لتبحث عن بعض الطعام لها ولوالدتها، ولكنها لشدة التضييق على المنطقة وصل بها الأمر أنها لم تجد يوما إلا عنقودي عنب، أفطرت ووالدتها على أحدهم وتسحرتا على الآخر، ولكنها مع ذلك بقيت صامدة ثابتة، لم تخف من الجنود ولم تتردد لحظة في التجول حول المنزل فهي ترى أنها في ملكها ولا شيء يجبرها على الخروج.
بينما كنا نحدث تقي الدين ارتفع صوت جدته التي لم تكن تسمع حديثنا كثيرا لضعف سمعها، ولكن يبدو أن صوت حفيدها داعب أذنيها لاعتيادها عليه فصاحت به "ماذا تقول"؟ فأخبرها أنه يحدثنا عن الأيام التي قضوها تحت القصف وحدهما، فعادت لتصيح قائلة "وشو عرفك إنتشوصار، إنت كنت لابد في البيت واحنا قاعدين تحت القصف"، ابتسامة كبيرة ارتسمت على شفتي تقي الدين ورد قائلا "حدثيهم أنت يا جدة إذا"!.
حقيقة لم يكن للجدة قوة على الحديث فسنوات عمرها التي سمحت لها بمعاصرة العديد من النكبات والنكسات والحروب، يبدو أنها جعلتها تكتفي بالبقاء على قيد الحياة لا يهم تحت القصف، أم في ظلال الصواريخ، فالأجل أكبر حارس وهي أبرز دليل!

