غزة-الرأي-يحيى عياش:
كثيرةٌ هي الحكايات التي نسمع عنها أنّ شاباً فلسطينياً يعيش في دولةٍ أوربية، أسلمت على يديه فتاة أجنبية ومن ثم تزوجها بما يتسم مع الشريعة الإسلامية، فمنها حكاياتٌ انتهت إلى بر الأمان وكانت بذرة سعادة بين هؤلاء الأزواج، وحكاياتٌ أخرى كانت بداية لمعيقات وظروف مأساوية لا يتحملها البشر.
وكالة الرأي استطاعت الوصول لإحدى تلك الحالات في دولة أوكرانيا، ولكنها تحمل في ثناياها تفاصيل تُسرد في روايات الخيال، إلا أنها الحقيقة التي يكشف أجزائها الشاب الفلسطيني مصعب (34 عاماً) والذي تزوج من الفتاة الأوكرانية أوكسانا (23 عاماً) بعدما دخلت في الإسلام على يد الشاب الغزاوي الأصل.
بداية القصة كانت حينما تعرف مصعب على الفتاة الأوكرانية في العاصمة "كييف"، وبعد فترة بدأ يقدم لها نبذة عن الإسلام وتعاليمه والأخلاق التي يدعو لها.
ويضيف مصعب لـ "الرأي": "أحضرت لها عدداً من الكتيبات الإسلامية من المسجد، وشوي شوي صارت البنت هي التي تسألني وتستفسر عن الإسلام بالرغم من صغر سنها في ذلك الحين، حيث أنها لم تتجاوز الـ18 عاماً".
أوكسانا تقرر الدخول بالإسلام
ويسرد الشاب الفلسطيني قصته: "بعد ذلك قررت أن أعود لقطاع غزة وأترك أوكرانيا بشكل تام، إلا أنني بقيت على اتصال بها من غزة"، وتابع: "في ذات يوم قالت لي أوكسانا يجب أن تعود لأوكرانيا بشكل عاجل، لأنني قررت أن أُسلم".
يقول مصعب: "طلبت منها التفكير أكثر من مرة ولا تتسرع، فصمتت وقالت أنّها قررت الدخول بالإسلام، ولكن يلزمها أن أكون بجانبها حتى أساندها".
اشترى مصعب تذكرة الطائرة، وبالرغم من المصاعب والعقبات التي واجهها كغيره من الفلسطينيين، أثناء سفره عبر معبر رفح البري، إلا أنه استطاع الوصول لأوكرانيا في تاريخ 25/10/2012م.
يوم الاثنين الموافق 29/10/2012 كانت أوكسانا على موعد في الدخول بالإسلام ونطق الشهادتين حينما توجهت برفقة مصعب إلى أحد المساجد بمدينة "كييف" الأوكرانية.
ويشير مصعب إلى أنّه بعد إسلامها وخلال وجودها في المسجد طلبت أن تتكلم معه بصراحة، فقالت له: "الحمد لله الآن أسلمت وأعرف جيداً أنه سوف تواجهني مشاكل، وأحتاج أحداً يساندني ويحميني، فما رأيك أن نتزوج ونكون عائلة على سنة الله ورسوله".
حينها تفاجأ مصعب من حديثها ولم يصدق ما سمعه، ويوضح لـ"الرأي" أنّ سبب مفاجأته بأنّ الفتاة تصغره بـ11 سنة، مؤكداً أنه وافق على الفور وعقد الزواج في نفس اليوم الذي أسلمت فيه.
خرج العروسان للبيت الذي كان يسكن فيه مصعب بالعاصمة الأوكرانية، وخلال الأسبوع الأول لزفافهما قررا أن يُعلما عائلة الفتاة الأوكرانية بقصة الزواج، فجاء والداها من المنطقة التي تبعد عنهما حوالي 300 كيلو متر.
والدا العروسين رفضا الزواج
ويؤكد مصعب أنه حين وصل والداها المكان نزلت والدتها من السيارة وفور مشاهدته صُدمت لاعتقادها أنّ ابنتها تزوجت من أوكراني، بينما والدها حينما عرف أنّه الشخص المتزوج لابنته رجع لسيارته التي كانت تبعد بضعة أمتار وسحب سلاحه (مسدس) وظلّ يجري وراءه ويطلق عليه النار في الشارع.
بعد أسبوع التقى مصعب بزوجته الأوكرانية في مكان يبعد عن العاصمة "كييف" حوالي 450 كيلو متر، وقررا الهروب والسفر إلى قطاع غزة.
وبالفعل بعد رحلةٍ شاقة مكللة بالمتاعب كان خط سيرها من أوكرانيا إلى إسطنبول ومن ثم إلى القاهرة وأخيراً وصل مصعب وزوجته أوكسانا إلى غزة، وتصادف يوم وصولهما 14/11/2012م، مع اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة باغتيال الاحتلال للقائد المجاهد أحمد الجعبري.
ويقول مصعب بصوتٍ يئن قسوةً مما استقبله أهله: "لم ترحب عائلتي بنا، ووجدت معارضةً شديدة من والديّ على هذا الزواج"، مستدركاً قوله: "حاولت أن أقنعهما أنّ الفتاة مسلمة وتقبل بالعيش مثلنا".
هذه المبررات لم تلق قبولاً بين أوساط العائلة الغزية، وتُرجع العائلة ذلك لأنّ عادات المجتمع الفلسطيني وتقاليده ترفض مثل هذه الحالات، إلا أنّ الشريعة الإسلامية تستوعب كل البشرية لاعتناق الدين الإسلامي الحنيف، وليس فقط الفتاة الأوكرانية.
ووسط القصف الشديد الذي كانت تتعرض له غزة في هذه الأيام، قرر مصعب مغادرة القطاع وقد ارتسم على حاله الضياع في التفكير والحزن مما يحدث من أقرب الناس إليه، وفق قوله.
وفور وصولهما للقاهرة طلبت أوكسانا العودة لأوكرانية بسبب الأوضاع المتوترة التي كانت تعيشها مصر في ذلك الوقت، وقالت لمصعب: "نغير أرقام تلفوناتنا ونختار منطقة سكنية بعيدة عن عائلتي حتى لا تسبب لنا مشاكل جديدة".
قررا الإقامة في منطقة ناطقة بالروسية بالرغم من أنهما يتكلمان الأوكراني، إلا أنّ المنطقة أخرجت العنصرية ولفظتهما كون زوجة مصعب محجبة وتتكلم الأوكراني وليس الروسي، فانتقلا لمنطقة ناطقة بالأوكرانية ولكن بعيدة عن عائلة أوكسانا.
عام على الإسلام والزواج
وبعد سنةٍ كاملة من زواجهما وإسلام أوكسانا خرجا لشراء احتياجات عقد احتفال صغير يخفف من معاناتها وآلامها التي استمرت معهم طيلة أيام هذه السنة، إلا أنّهما في منتصف الطريق وجدا من يفسد عليهما هذا المخطط الجميل.
يروي مصعب تفاصيل حكايته: "في منتصف الطريق نزل والدها من سيارته ومعه 4 أشخاص، وانهالوا علينا بالضرب وحملونا بسيارة أخرى وأخذونا لبيت والدها"، مشيراً إلى أنّ زوجته كانت حامل وفي بداية الشهر التاسع، "ونتيجة الضرب الذي تعرضنا له، تم نقلها للمستشفى برفقها أمها واثنان من أصحاب والدها".
تم تحويل أوكسانا لقسم الولادة في يوم 2/11/2013م ليرزق العروسان بمولدهما الأول، وينوه مصعب إلى أنه كان يرغب بتسميته "محمد" إلا أنّ والد الفتاة الأوكرانية هدده بالسلاح ليسميه "أصلان".
وبعد خروج زوجة مصعب من قسم الولادة تفاجأ بوالدها ومعه دورية شرطة، فقال له: "لك الاختيار إما مغادرة البلد أو السجن"، فرد عليه مصعب قائلاً: "لماذا لا تهدأ وترضى بالأمر الواقع ولا تمنعنا من ممارسة حياتنا الطبيعية، وفي النهاية لا تنسى أنني والدٌ لحفيدك".
فقال والد الفتاة الأوكرانية: "لا تكثر كلام إما أن يأخذوك أو يسجنوك بتهمة المخدرات أو الاغتصاب، وإما أن تغادر البلد"، فلم يستطع مصعب الاختيار وقال له: "أنا سوف أغادر لكن اتركني أفرح بابني".
فما كان من دورية الشرطة إلا أنّ أخذوا مصعب مباشرةً للمطار وكان والد أوكسانا مجهزاً لتذكرة الطائرة لمغادرة أوكرانيا.
ومنذ 11/11/ 2013 ومصعب موجود في إسطنبول بتركيا دون إقامة ولا وضع قانوني وليس له خيارات، سوى أنه يبحث عن حقه في لقاء زوجته وابنه، ولسان حاله يتساءل في كل حين: "أين الحقوق الدولية التي تتغنى بالديمقراطية؟ بل أين حقوق البشر في اعتناق الإسلام؟"، تاركاً الإجابة للقدر في تحديد مصيره ومصير عائلته الصغيرة!!

