خان يونس- الرأي- نور الدين الغلبان
يقف الحاج الستيني زكي القرا "أبو أحمد" من سكان بلدة خزاعة شرق خان يونس جنوب القطاع على أطلال بيته المدمر المكون من 5 شقق سكنية، يلملم بعض ألواح منزله، عله يتمكن من بناء بيت يأويه وأبنائه السبعة عشر وزوجتيه من برد الشتاء القارس.
ومع تواتر الأنباء بقدوم المنخفض الجوي الأخير حتى بدأت لحظات الاستنفار داخل المنزل كما يقول أبو أحمد، فولده أسامة يغطي سقف المنزل بالنايلون، فيما أخيه محمد يطل من بعيد بعربة صغيرة، حاملاً الرمل ليضعها على حواف المنزل خوفاً من تسلل الماء إلى داخله.
ورفض أبو أحمد استلام بيوت الايواء المؤقتة "الكرافانات" التي وزعتها المؤسسات الخيرية على عشرات العائلات المتضررة على الحدود مع غزة، مبرراً عدم استلامه هو أن الكرفانة الواحدة لا تكفي اثنتين من زوجته، وعشرة من البنات في سن الزواج، إلى جانب سبعة من الأولاد.
ورغم محاولات هذه المؤسسات الحثيثة لإقناع أبو أحمد باستلام اثنين من منازل الايواء المؤقتة، "الكرفانات" ليضعهما على أنقاض أرضه ومنزله المدمر، ألا أنه رفض الفكرة جملةَ وتفصيلاً، مؤكداً إلتزامه بالعيش بالمخيم كغيره من المواطنين الذين تدمرت بيوتهم خلال عدوان 2014.
في هذه الأثناء انتهى ابنه محمد من وضع النايلون على السقف والحسرة تملأ قلبه، فيقول: "البيت لا يقينا لا من برد الشتاء ولا المطر، ولكن ليس لنا غيره للاحتماء واللجوء إليه"، خصوصاً وأن ملابسهم الشتوية فقدوها تحت ركام المنزل المدمر، فيما يخشى من الأيام المقبلة، ومنخفضات أخرى ستكون أقسى وأصعب، وتحمل معها الرياح الأشد والعواصف.
ويطالب أبو أحمد الجهات الرسمية بضرورة الاسراع في إدخال مواد البناء، وإعادة إعمار غزة، مبدياً تعجبه من استمرار ما أسماه "التلكؤ والتباطؤ" في البدء بالخطوات الفعلية لإعمار القطاع.
وما إن إنتهى الرجل من وصف معاناته حتى ظهرت زوجته أم أحمد 50 عاماً، وتجاعيد الكبر تبدو واضحة عليها بشكل ملفت للنظر، وعلامات الحزن كذلك، لتشارك على الفور أبنائها أعمال الترميم.
وما إن إقتربت أم أحمد حول أريكة الجلوس مع زوجها حتى بدأت تصف بمعاناة أسرتها خلال المنخفض الجوي، فتقول: "كلما تزداد شدة الأمطار ويبدأ النايلون بالتطاير عن المنزل, أقوم بالجري مع أبنائي لجمع المسامير والخشب لتثبيته, وابني الآخر يحضر بعض الرمل لمنع المية تدخل علينا".
وفي هذه اللحظات قطعت حديثها أصوات سعال ابنها الأصغر، وعلى وجه السرعة أشارت إليه، وقالت: "من يوم ما سكنا هذا البيت، وأولادي عانوا من السعال والرشح وآلام البطن ونزلات البرد"
وحاولت أم أحمد إخفاء دموعها بسبب حالهم ووضعهم الانساني، إلا أنها كتمانها لم يدم طويلاً، فإنفجرت باكية، محاولة الحديث ببعض كلمات متقطعة تشكو سوء الحال، وضيق ما في اليد.
وعلى الفور تدخل زوجها أبو أحمد ليكمل حديثه، بعد أن وزع نظراته على منزله المدمر، مستذكراً فصول الشتاء التي خلت، ولخصت بجانب كانون النار، والمشروب الساخن أجواءً عائلية جميلة ومفرحة، سرعان ما تحولت لمعاناة بسبب ألم العدوان، ومرارة التهجير.
ويوماً بعد آخر، تزيد معاناة أصحابُ البيوت المدمرة جراء العدوان "الاسرائيلي" الأخير على غزة، في حين لا يزال الغزيون يطلقون العنان لحناجرهم لمطالبة حكومة الوفاق الوطني، بضرورة الاسراع بإعادة اعمار القطاع.
ومع دخول فصل الشتاء، وارتفاع وتيرة الشكاوى المتصاعدة بسبب غياب الخطوات الفعلية على الارض رغم مرور أكثر من شهرين على إنتهاء العدوان "الاسرائيلي"، وتوقيع اتفاق وقف اطلاق النار بين المقاومة والاحتلال بوساطة مصرية.
وتتزاحم مواقف العائلات الغزية المتضررة في ظل الأجواء الباردة، في حين يبقي الحال هو الترقب والانتظار، فيما تتصاعد عبارات القلق على وقع المعاناة والألم الذي خلّفه العدوان.
تصوير/ ضياء الأغا

