في كل يوم تتكشف فيه أسرار وخفايا جديدة عن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية لم نكن نعلمها في حينها ولا بعد انقضائها حتى يتم نشرها في وسائل الإعلام العبرية، نذكر جميعا المفاوضات الاستكشافية التي منيت بفشل ذريع وهو ما انعكس بطبيعة الحال إيجابا على المصالحة الفلسطينية التي وقعت في غزة في ابريل/نيسان الماضي بين حركتي فتح وحماس ولكن مع الأسف جمدت كليا حتى يومنا هذا، والواضح أن السلطة قد غضت الطرف عنها وتلمح بالذهاب إلى المفاوضات من جديد في الوقت الذي تصر فيه اللجنة الرباعية الدولية على الرجوع إلى المفاوضات وهو ما لقي ترحيبا من جانب رئيس السلطة بالسير وراء الرباعية التي أصبحت عاجزة حتى عن قول كلمة حق أو توجيه أي إدانة للاحتلال على جرائمه، ثم ونرجع لنقول إنها سترجع لنا حقوقنا.
في الحقيقة أن المفاوضات لم تتوقف سواء كانت سرية أم علنية منذ اتفاقية أوسلو، فقد كشف موقع "والاه" العبري يوم الخميس الماضي عن التفاهمات التي جرت بين الرئيس محمود عباس و شمعون بيرس عام 2011م، والتي كانت تجري المفاوضات حولها بعلم وتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ولكنه تراجع في اللحظات الأخيرة عن موافقته على هذه التفاهمات التي كانت في طريقها للتوصل إلى إبرام اتفاقية بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي.
يذكر الموقع أن هذه المفاوضات التي جرت على مدار عام تقريبا بشكل سري في العاصمة الأردنية وفي عدة عواصم غربية بين أبو مازن و بيرس كانت تجري بموافقة وتنسيق مع نتنياهو ، وفي صيف عام 2011 كان الطرفان أقرب ما يكونان للتوصل إلى اتفاقية تقود إلى (سلام) بين الجانبين، وفي الوقت الذي كان سيتوجه بيرس إلى عمان يوم 28 من شهر تموز عام 2011 لعقد لقاء مع أبو مازن، والذي كان معدا للتوقيع على هذه التفاهمات بموافقة رسمية من نتنياهو، تراجع نتنياهو عن موافقته ما دفع بيرس لعدم التوجه إلى عمان، وجرى اتصال هاتفي مع أبو مازن الذي كان بطريقه إلى عمان من مكتب بيرس يبلغه بهذا الموقف، حيث عاد أبو مازن من الطريق إلى رام الله.
وقد نصت هذه التفاهمات على التالي:
أولا – تقام دولة فلسطينية إلى جانب (إسرائيل) على أساس حدود الرابع من حزيران عام 67 مع تبادل محدد للأراضي ومتساوٍ.
ثانيا – الدولة الفلسطينية تكون منزوعة السلاح ولا يوجد لها جيش.
ثالثا – القدس ستكون عاصمة للدولتين وتبقى عاصمة مفتوحة، الأحياء الفلسطينية تحت السيطرة الفلسطينية بشكل كامل، والأحياء اليهودية تحت السيطرة الإسرائيلية بشكل كامل.
رابعا – حل مشكلة اللاجئين ستكون بموافقة واتفاق الطرفين على أن يكون هذا الحل عادلا.
فالدولة في التصور الفلسطيني تشمل فضلاً عن شرقي القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، مع إمكانية تواصلها مع العالم الخارجي عبر الموانئ والمطارات والمنافذ البرية، لا بأس في هذا، لكن ماذا عن القضايا المهمة الأخرى على رأسها اللاجئون والأسرى والمياه والحدود والمعابر والحواجز والمستوطنات والتسلح فيما يختص بتكوين جيش مسلح لهذه الدولة الوليدة؟، لم تكن مذكورة على جدول أعمال هذه المفاوضات وما إذا كانت هذه القضايا ستدخل ضمن إطار مفاوضات قضايا الحل النهائي بشأن الدولة أم لا؟! لأن دولة الاحتلال ترفض التعامل مع هذه القضايا جملة وتفصيلاً، فإذا ما ركزنا على أهم هذه القضايا وهي الحدود نجد أنها ترفض منذ اتفاقية "أوسلو" الإعلان بصراحة وبدقة عن مساحة الأراضي التي ستتركها للفلسطينيين لإقامة دولتهم عليها. وهذا ينقلنا مباشرة إلى طرح السؤال التالي: هل يمكن أن تحقق المفاوضات المباشرة وغير المباشرة ما عجزت "أوسلو" وغيرها عن تحقيقه؟!.
فلو نظرنا إلى مطلب المفاوض الفلسطيني نجد أنه يطالب بدولة في حدود الرابع من يونيو/حزيران 67 التي لا تزيد عن 22% فقط من مساحة فلسطين التاريخية، وبأن يكون شرقي القدس عاصمة لها، وتكون قابلة للحياة، ومتصلة وغير مجزأة بطرق التفافية وكتل استيطانية وجدار عازل.
المطلوب على الأقل، ألا نلعب دور المغفلين لسنوات قادمة أخرى قد تطول، فنخوض مفاوضات "عنترية" نتيجتها معروفة مسبقاً، وأن ندرك أن المجرَب لا يجرب بعد أن لُدغ من الجحر ذاته ألف مرة ومرة. فقد جربنا المفاوضات مع الاحتلال سنين طويلة، كانت خلالها الأرض تقضم والقدس تهود، والشعب الفلسطيني يذبح ويحاصر ويشتت ويفتت.

